قال: فتبسّم وقال لي: يا فتى أما علمت أنّه موفّق ومخذول؟
بكاء الرشيد من خشية الله
عن الفضل بن الربيع قال: لما حجّ أمير المؤمنين هارون الرشيد أراد أن يسترشد بعلماء الأمة, فقال: انظر لي رجلا أسأله.
فذهبت به الى سفيان بن عيينة فحدّثه ساعة ثم قضى الرشيد دينه وانصرف, ثم التفت اليّ وقال: ما أغنى عني صاحبك شيئا, وكأنه لم يجد دواء عنده لعلته.
وقال لي: انظر لي رجلا أسأله. فمضيت به الى عبد الرزّاق بن همّام فحادثه ساعة, ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم.
قال: يا أبا عباس اقض دينه.
فلما خرجنا قال: ما أغنى عني صاحبك شيئا, انظر لي رجلا أسأله.
فذهبت به الى الفضيل بن عيّاض فاذا هو قائم يصلي يتلو آية من القرآن ويرددها.
فقال هارون: اقرع الباب.
فقرعت الباب فقال: من هذا؟
قلت: أجب أمير المؤمنين.
فقال: مالي ولأمير المؤمنين؟
فقلت: سبحان الله, أما عليك طاعة؟
فنزل ففتح الباب ثم ارتقى الى الغرفة فأطفأ المصباح ثم التجأ الى زاوية من زوايا البيت, فدخلنا فجعلنا نجول عليه بأيدينا فسبقت كف هارون قبلي اليه.
فقال: يا لها من كفّ, ما ألينها ان نجت غدا من عذاب الله عز وجل.
ثم أخذ بالكلام مع هارون الرشيد فقال: انّّ عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعا سالم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظي, ورجاء بن حيوة, فقال لهم: اني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا عليّ.
فعدّ الخلافة بلاء, وعددتها أنت وأصحابك نعمة.
فقال له سالم بن عبد الله: ان أردت النجاة غدا من عذاب الله فصم عن الدنيا وليكن افطارك من الموت.
وقال له محمد بن كعب القرظي: ان أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أبا, وأوسطهم أخا, وأصغرهم عندك ولدا, فوقّر اباك, وأكرم أخاك, وتحنّن على ولدك.
وقال له رجاء: ان أردت النجاة غدا من عذاب الله عز وجل فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك, واكره لهم ما تكره لنفسك, ثم مت ان شئت.