فالنبي صلى الله عليه وسلَّم يقرّر بقوله (( فبيعوا كيف شئتم ) )جواز البيع ما لم يتخلله ما يفسد مشروعيته كالربا المحرّم بنص كتاب الله تعالى. وقد قَدِم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة والناس يبتاعون، فأقرّهم. وثمة آثار كثيرة تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد باع وابتاع بنفسه، فكان الإجماع على مشروعية البيع (1) .
والحقيقة أن مضمون بيع المرابحة لا يختلف عن مضمون البيع العادي، وإن كان ثمَّ اختلاف، فهو في طريقة العلم بالثمن، فالذي يقول: بعتك الثوب بمائة وعشرة. كالذي يقول: بعتك هذا الثوب بمائة ـ وقد بيّن أنها رأسماله ـ وربح عشرة. إذ النتيجة واحدة، وهي مائة وعشرة، إلا أنه في العبارة الأولى ذكر الثمن جميعًا رأس المال والربح، أما في العبارة الثانية فقد أفرد الربح عن رأس المال، فَعُلِم مجمل الثمن بالحساب، والمآل واحد في كلٍ، وهو معلومية ثمن المبيع.
ثم إن الحاجة داعية إلى مثل هذه الصورة من البيع، إذ ربّما كان المشتري ممَّن لا يهتدي في البيع والشراء، فيحتاج إلى خبرة غيره، فيشتري الشيء بمثل ما اشتراه وزيادة معلومة يُتفق عليها.
آراء الفقهاء:
بناءً على ما سبق، فإن جمهور الفقهاء من أرباب المذاهب الأربعة، قد ذهبوا إلى جواز بيع المرابحة، وأنه سبب صحيح للتملك، حتى نقل ابن جرير (2) الإجماع على ذلك (3) وإن كان منهم قائل بالكراهة في بعض صوره، أو أنه خلاف الأولى، على التفصيل الآتي:
(1) المبسوط للسرخسي: 12/108
(2) محمد بن جرير، أبو جعفر الطبري، ولد في طبرستان سنة 224هـ،فقيه مجتهد مؤرِّخ مفسِّر إمام في الحديث، بلغ رتبة الاجتهاد المطلق،كان له مذهب مستقل،كان شافعيًا أوّل أمره، من مصنفاته (جامع البيان في تفسير القرآن) ، (أخبار الرسل والملوك) توفي ببغداد سنة 310هـ. الأعلام للزركلي 6/69.
(3) اختلاف الفقهاء، ابن جرير الطبري: ص75.