يقول علي حيدر أفندي في شرح مجلة الأحكام المسمى بـ [ درر الحكام شرح مجلة الأحكام ] : [ وللمنافع قيمة كبرى في هذا الزمان ، كما لو انشأ أحد بنفسه قصرًا للإصطياف ، وكان أجر المثل السنوي لهذا القصر سبعون جنيها ، فانتهز شخص آخر غياب صاحب القصر وسكنه مدة ثلاث سنوات غصبًا ، فعلى رأي الأئمة الحنفية لا يلزمه اجر ، أما عند الشافعي فيلزمه . وبما أن المتأخرين من فقهاء الحنفية .. قالوا بضمان المنفعة في: مال الوقف ، واليتيم ، فيجب على فقهاء عصرنا هذا أن يتشاوروا ويتخذوا قرارًا بخصوص قبول مذهب الشافعي في عموم منافع الأموال ، وأن يحصل على إرادة سنية للعمل به ] .
وكان قد قال قبل ذلك: [ ويفهم من ذلك أن فقهاءنا المتأخرين قد أخذوا في جواز هذه المسألة بقبول الإمام الشافعي دون أقوال أئمتنا الثلاث ] .
قلت / ويقصد المرحوم علي حيدر بقوله ذاك ضمان منافع أموال الأوقاف والأيتام ، وتجويزهم ذلك استحسانًا ، بل أجازوا ضمان منفعة المال المعدِّ للإستغلال .
والحقيقة .. ليس الأمر أخذًا بمذهب الإمام الشافعي رحمه الله ، ولا يحتاج الأمر إلى إرادة سنية - أي أمر من ولي أمر المسلمين آنذاك ، باعتبار جواز تخصيصه العمل بأحد الآراء الاجتهادية - ، بل الأقرب أن يرجح رأي الإمام زفر رحمه الله.. وسنعود إلى هذا لاحقًا ، وصاحب الدرر [1] نفسه أشار إلى ذلك الرأي ، فكان الأولي ترجيح هذه الرواية والعمل بها ، ومن ثم يقويها بتخصيص العمل بها من ولي الأمر ، وكذا اتصال القضاء بها ، لأن المسألة تخص أمرًا مجتهدًا فيه ، ويترجح أحد الرأيين بالقضاء .
وإن قواعد المذاهب تتقبَّل هذا ، كما لا تأباه قواعد الشرع .. وتوجيهه من وجوه:
1-اتساع المعنى اللغوي لإمكان ذلك .
2-اتساع القواعد الأصولية في النهي عن بيع المعدوم .
3-اتساع قواعد المذهب من جهة أحكام العرف .
(1) درر الحكام - 1 / 440 .