يُرِدِ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج 25] . وقد علق الإمام الغزالي بقوله بعد أن ساق الخبر:"أي أنه على مجرد الإرادة" (1) . وكان ابن عباس - رضي الله عنه - يقول: الاحتكار بمكة من الإلحاد في الحرم" (2) وقيل: الكذب أيضًا (3) ."
وقال ابن عباس أيضًا:"لأَن أُذنب سبعين ذنبًا بركيّة أحب إليَّ من أن أذنب ذنبًا واحدًا بمكة" (4) وركيَّة منزل بين الطائف ومكة. لهذا كرَّهَ بعض العلماء الإقامة بمكة، وهي كراهةٌ لا تتنافى مع فضل تلك البقعة؛ لأنَّ علتها القصور عن القيام بحق الموضع، فالمقام مع التبرم فيه تركه أوْلى، لذلك كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يدفع الحجاج عن مكة إذا حجوا بقوله: يا أهل اليمن يمنكم، ويا أهل الشام شامكم، ويا أهل العراق عراقكم، كي لا تؤدي إلفة البيت إلى تسكين حرقة القلب في التعظيم له، ولإحياء باعث الشوق بالمفارقة، لما فيه من داعية العود تصديقًا لقوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} [البقرة: 125] . أما من يؤدي في أرض الله الحرام حق المقام فلا كراهة في جانبه كما أفاده تحقيق إمامنا الغزاليّ في هذه المسألة (5) .
الثاني عشر: هناك خصوصية لمكة في قضية الحدود، فقد قال الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - وآخرون: إنْ كانت جناية القتل في الحرم استوفيت العقوبة فيه، وإن كانت في الحلِّ ثم التجأ إلى الحرم لم يستوفَ منه فيه، ويلجأ إلى الخروج منه، فإذا خرج أُقيمت. هذا في
(1) إحياء علوم الدين لحجة الإسلام أبي حامد محمد الغزالي عليه رحمه الله، ج 1 صـ 244.
(2) نفس المرجع فصل: فضيلة المقام بمكة، ج 1 صـ 244.
(3) نفس المرجع والفصل والصفحة.
(4) نفس المرجع والفصل والصفحة.
(5) إحياء علوم الدين لحجة الإسلام أبي حامد محمد الغزالي عليه رحمه الله، ج 1 صـ 244.