من نفحات وبركات هذا اليوم فلم يغفر له، فالسعيد من كان حظه في هذا اليوم موفورًا وقلبه خاشعًا خاضعًا موصولًا، وجوارحه متواضعة محفوظة عن سوء الأدب ولو في نظرة لا تليق أو إطلاق لسان بما ينبو عن مثله أدب الحبيب (1) ،
فالوظيفة في هذا الموقف واضحة محدودة والمرجو ثمرة لا مطلب للعبد الصادق في سواها، فمن قصر في هذه المعاني (2) واشتغل بالقيل والقال والمخاصمة والمشاتمة والكلام القبيح والجدال فقد ضل سعيه وفات جهده وذهب ماله في غير طائل، لا بل إن الفقهاء يوصون بالاحتراز عن الكلام المباح الذي لا مخالفة فيه؛ لأنه تضييع للوقت عن المهم الأسمى سدًا للذرائع عن الانجرار إلى ما هو حرام.
قال الإمام النووي:"وليحذرْ كل الحذر من التقصير في ذلك، فإن هذا اليوم لا يمكن تداركه بخلاف غيره ويستحب الإكثار من الاستغفار والتلفظ بالتوبة من جميع المخالفات مع الاعتقاد بالقلب، وأن يكثر من البكاء مع الذكر والدعاء، فهناك تسكب"
(1) قال الإمام النووي:"وينبغي أن يحترز غاية الاحتراز عن احتقار من يراه رثّ الهيئة أو مقصرًا في شيء ويحترز عن انتهار السائل ونحوه. وإن خاطب ضعيفًا فليتلطف في مخاطبته فإن رأى منكرًا محققًا توجه عليه إنكاره ويتلطف في ذلك وبالله التوفيق". نفس المرجع ص 326.
أقول ويشهد لهذا طبيعة هذه االعبادة الراقية وأهدافها السامية كما يشهد لهذا ما أورده الإمام أحمد في مسنده برقم (3041) عن ابن عباس قال:"كان فلان رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم عرفة قال: وجعل الفتى يلاحظ إليهن، قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ابن أخي، إن هذا يوم مَنْ ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له". قال في الموسوعة الحديثية على مسند أحمد ج 5 ص 165. إسناده ضعيف كما ذكره الإمام أحمد في مسنده برقم (3350) . قال: في الموسوعة الحديثية:"إسناده ضعيف"ج 5 ص 356. وقال أستاذنا الدكتور نور الدين عتر في الحج والعمرة في الفقه الإسلامي ص 220:"إسناده صحيح". واُنظر فتح القدير (2/ 22167) "."
(2) قال الإمام النووي: وفي الحديث الصحيح الحج عرفة فالمحروم من قصر في الاهتمام بذلك واستفراغ الوسع فيه. اُنظر الحاشية على شرح الإيضاح ص 319.