حتى روى الأئمة (1) : إن عدي بن حاتم قال: عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما على وسادي وجعلت أنظر إليهما فلا يتبين الأبيض من الأسود، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبرته فضحك وقال: «إنك لعريض القفا (2) إنّما ذلك بياض النّهار وسواد اللّيل» .
نكتة: قال المؤلف - وفقه الله: زعم الزمخشري (3) أن هذا الحديث لا يصح، لأن فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وذلك لا يجوز عند أكثر الفقهاء والمتكلمين، وإنما نزل من الفجر متصلا بما قبله في زمن واحد.
وقال القاضي أبو محمد بن عطية (4) : «في هذا القول والحديث تأخير البيان إلى وقت الحاجة» .وهو جائز إلا أنه لم يبين وجهه فأشكل الموضع إذا سلمنا صحة هذه الرواية والحديث كما يظهر من (عط) .
قال المؤلف - وفقه الله: ودفع هذا الإشكال عندي أن يقال إذا سلمنا صحة الحديث وهو الأولى، لأنه وقع في «صحيح البخاري» فلا يلزم في الآية
= الصوم يحصل بطلوع الفجر ... » عن سهل بن سعد قال: «أنزلت وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ولم ينزل مِنَ الْفَجْرِ فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبين له رؤيتهما. فأنزل الله بعد مِنَ الْفَجْرِ فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار» اه .. ونحو هذه الرواية أخرج الطبري - رحمه الله - في تفسيره: 3/ 513 عن سهل بن سعد أيضا وليس في هذه الروايات - كما لاحظنا - تحديد للمدة التي كانت بين الآيتين، والكلام الذي ذكره البلنسي رحمه الله - بنصه في المحرر الوجيز لابن عطية: 2/ 126 ولم أقف عليه عند غيره.
(1) صحيح البخاري: 2/ 231 كتاب الصوم، باب قوله تعالى وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ... وصحيح مسلم: 2/ 766، 767، كتاب الصيام، باب «بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر ... » عن عدي بن حاتم رضي الله عنه باختلاف يسير في اللفظ. وانظر تفسير الطبري: 3/ 512، 513.
(2) قال ابن الأثير في النهاية: 3/ 210: (إن عرض القفا كناية عن السمن) .
(3) الكشاف: 1/ 339.
(4) المحرر الوجيز: 2/ 126.