ج. إنفاذ الصديق لجيش أسامة رغم وجود من اعترض من الصحابة:
الجواب من وجهين:
الأول: أن ما فعله الصحابة من اعتراض على إنفاذ جيش أسامة كان باجتهاد منهم عندما رأوا ارتداد العرب، واضطراب الأمور على الصديق بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال:"فاجتمع إليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا:"يا أبا بكر: رد هؤلاء، تُوجِه هؤلاء إلى الروم، وقد ارتدت العرب حول المدينة؟ فقال: والذي لا إله غيره، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ما رددت جيشًا وجهه رسول الله، ولا حللت لواء عقده رسول الله، فوجه أسامة". (1) "
الثاني: ما فعله الصديق، وتمسك به، هو تنفيذه لوصية رسول الله ص التي وصى بها وأكد عليها مرارا وهو على فراشه حتى مات.
روى ابن سعد بسنده، عن عروة بن الزبير قال:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بعث أسامة وأمره أن يواطئ الخيل نحو البلقاء، حيث قتل أبوه وجعفر، فجعل أسامة وأصحابه يتجهزون، وقد عسكر بالجرف، فاشتكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على ذلك، ثم وجد في نفسه راحة فخرج عاصبًا رأسه فقال:"يا أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة، ثلاث مرات، ثم دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستعز به، فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" (2) "
جاء في فتح الباري:"ثم اشتد برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعه فقال: أنفذوا بعث أسامة، فجهزه أبو بكر بعد أن استخلف". (3)
د. واستدلوا كذلك بموقف عمر - رضي الله عنه - حين امتنع عن قسمة الأراضي المفتوحة عنوة على المقاتلين، رغم مطالبتهم بها ومخالفة الصحابة له في الرأي.
والجواب على هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: أنه ورد في الآثار أن عمر - رضي الله عنه - أراد في بداية الأمر أن يقسم الأراضي فشاور في ذلك فأشار عليه، علي، ومعاذ بعدم القسمة فمال إلى رأيهما، فقد روى أبو عبيد بسنده عن حارثة بن مضرب عن عمر:"أنه أراد أن يقسم السواد بين المسلمين .. فشاور في ذلك"، فقال له علي بن أبي طالب - رضي الله عنه:"دعهم يكونوا مادة للمسلمين، فتركهم". (4)
(1) (( البداية والنهاية: إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، تح: عبد الله عبد المحسن التركي، دار الهجرة للطباعة والنشر: الجيزة، ط(1) 1417 هـ-1997 م، ج 6، ص 305.
(2) الطبقات الكبرى: محمد بن سعد بن منيع البصري، تح: إحسان عباس، دار صادر: بيروت، ط (1) 1968 م،
ج 2، ص 248.
(3) فتح البارئ شرح صحيح البخاري: ابن حجر العسقلاني، ج 8، ص 152.
(4) الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف: أبو بكر محمد بن إبراهيم، المنذر النيسابوري، تح: أبو حماد صغير أحمد بن محمد حنيف، دار طيبة: الرياض، ط (1) 1405 هـ-1985 م، ج 11، ص 33 - 34، برقم 6422، وكتاب الأموال: أبو عبيد القاسم بن سلام، تح: خليل محمد هراس، دار الفكر: بيروت، ط دت، ج 1، ص 74، برقم 151.