وفيها توفي أبو الفتح أحمد بن علي المعروف بابن برهان الفقيه الشافعي، كان متبحرًا في الأصول والفروع والمتفق والمختلف، وتفقه على أبي حامد الغزالي وأبي بكر الشاشي وأبي الحسن المعروف بالكيا، وصار ماهرًا في فنونه، وصنف كتاب الوجيز في أصول الفقه، وولي التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد دون الشهر، وبرهان بفتح الباء الموحدة وسكون الراء. وفيها توفي الإمام أبو بكر بن الوليد القريشي الفهري الأندلسي، الفقيه المالكي الطرطوشي. بضم الطائين المهملتين بينهما راء ساكنة وبعدهما واو ساكنة ثم شين معجمة منسوبًا إلى طرطوشة: مدينة في آخر بلاد المسلمين بالأندلس. صحب أبا الوليد الباجي، وأخد عنه مسائل الخلاف، وسمع منه وأجاز له، وقرأ الفرائض والحساب، وقرأ الأدب على أبي محمد بن حزم، ورحل إلى المشرق سنة ست وسبعين وأربعمائة،. وحج ودخل بغداد والبصرة، وتفقه على أبي بكر محمد الشاشي المعروف بالمستظهري الفقيه الشافعي، وعلى أبي العباس أحمد الجرجاني، وسكن الشام ودرس بها، وكان إمامًا عالمًا عاملًا زاهدًا ورعًا دينًا متواضعًا متقشفًا متقللًا من الدنيا، راضيًا منها باليسير، على ما ذكره بعض المؤرخين. وكان يقول: إذا عرض لك أمران: أمر دنيا وأمر أخرى، فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا والأخرى، وكان كثيرًا ما ينشد:
إن لله عبادًا فطنا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
فكروافيها فلماعلموا ... أنها ليست لحي وطنا
جعلوها لجة واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا
قلت: هكذا قال بعضهم: فكروا فيها، وقال بعضهم: نظروا فيها، والكل معناه واحد، فإن المراد: ينظروا نظرة القلب، وله من التصانيف: سراج الملوك، وغيره وله طريقة في الخلاف، ونسب إليه أشعار من ذلك:
إذا كنت في حاجة مرسلًا ... وأنت بإنجازها معزم
فأرسل بأكمه خلانه ... به صمم أعطش أبكم
ودع عنك كل رسول سوى ... رسول يقال له الدرهم
وحكي أنه اجتمع بالإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي في بلاد الشام، وقصد