أجمع الفقهاء في الجملة على إباحة ذبائح أهل الكتاب لقوله ـ تعالى ـ: (( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ ) ) [المائدة: 5] (1) ، والجائز هو ما يعتقدونه في شريعتهم حلالًا لهم، إلا ما حُرّم علينا كلحم الميته والخنزير والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وغيرها، ولو لم يُعلم أنهم سموا الله ـ تعالى ـ. قال الإمام النووي: (ذبيحة أهل الكتاب حلال سواء ذكروا اسم الله ـ تعالى ـ عليه أم لا؛ لظاهر القرآن العزيز؛ هذا مذهبنا ومذهب الجمهور) (2) ، وكره مالك والشافعي وأحمد في رواية، ما ذبحوه لكنائسهم وأعيادهم؛ لما فيها من تعظيم شركهم، ولأن الذابح قصد بقلبه الذبح لغير الله ـ تعالى ـ مع تركه التسمية، قال النووي: (فإن ذبحوا لكنائسهم فقد كرهه ميمون بن مهران وحماد والنخعي ومالك والليث وأبو حنيفة وإسحاق وأحمد وجمهور العلماء، ومذهبنا تحريمه) (3) . كما أجمعوا أيضًا على أن ذبائحهم لا تحل إلا إذا ذكيت بالطريقة التي تتم بها الذكاة عند المسلمين، وكره مالك أكل ذبائحهم ولو استوفت جميع الشروط؛ ففي المدونة: (قلت: هل كان يكره مالك ذبائح اليهود والنصارى من أهل الحرب؟ قال: أهل الحرب والذين عندنا ـ أهل الذمة ـ من النصارى واليهود عند مالك سواء في ذبائحهم، وهو يكره ذبائحهم كلها من غير أن يحرمها، ويكره اشتراء اللحم من مجازرهم ولا يراه محرمًا) (4) .
ثانيًا: حكم أكل ما ذبحوه من كل ذي ظفر:
حرم الله ـ عز وجل ـ على أهل الكتاب كل ذي ظفر، قال ـ تعالى ـ: (( وَعَلَى الَذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ) ) [الأنعام: 146] . والمراد به ما ليس بمنفرج الأصابع كالإبل والنعام والأوز والبط وما يصيد بظفره من سباع الطير والكلاب (5) .
واختلف فقهاء المالكية فيما لو ذبح أهل الكتاب كل ذي ظفر، فأجاز أكله ابن وهب وجمهور العلماء.