ويرون أن حد الإسكار الذي يحرم به الشراب وينتقل به من التحليل إلى التحريم ،هو أن يبدأ فيه الغليان ولو بحبابة واحدة فأكثر , ويتولد من شربه والإكثار منه على المرء في الأغلب أن يدخل الفساد في تمييزه , ويخلط في كلامه بما يعقل وبما لا يعقل , ولا يجري كلامه على نظام كلام التمييز , فإذا بلغ المرء من الناس من الإكثار من الشراب إلى هذه الحال فذلك الشراب مسكر حرام , سكر منه كل من شربه سواء أسكر أو لم يسكر , طبخ أو لم يطبخ , ذهب بالطبخ أكثره أو لم يذهب , وذلك المرء سكران , وإذا بطلت هذه الصفة من الشراب بعد أن كانت فيه موجودة فصار لا يسكر أحد من الناس من الإكثار منه , فهو حلال , خل لا خمر.
وقد استدلوا على ذلك بما يلي:
ـ قول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ 00 } (1) فسمى الله تعالى من لا يدري ما يقول سكران , وإن كان قد يفهم بعض الأمر. ألا ترى أنه قد يقوم إلى الصلاة في تلك الحال فنهاه الله تعالى عن ذلك والمجنون مثله سواء سواء، فقد يفهم المجنون في حال تخليطه كثيرا ولا يخرجه ذلك عن أن يسمى مجنونا في اللغة وأحكام الشريعة.
ـ ما جاء عن محمد بن سيرين ( عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " انتبذ في سقائك وأوكه واشربه حلوا طيبا."(2) "
قال أبو محمد: وهذا قولنا ; لأنه إذا بدأ يغلي حدث في طعمه تغيير عن الحلاوة , وهو قول جماعة من السلف، كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا إسماعيل بن إبراهيم نا هشام هو الدستوائي عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي ليس بشرب العصير وبيعه بأس حتى يغلي.
الرأي الراجح
(1) النساء من الآية 43.
(2) صحيح:سنن النسائي: باب الإذن في الانتباذ ،3/224 رقم 5156 ، مسند الإمام أحمد:2/491.