قال: إن كثيرًا من الناس يرون في الحجاب رأيي، ويتمنون في أمره ما أتمنى، ولا يحول بينهم وبين نزعه عن وجوه نسائهم وإبرازهن إلى الرجال يجالسنهم كما يجلس بعضهن إلى بعض إلا العجز والضعف والهيبة التي لا تزال تلم بنفس الشرقي كلما حاول الإقدام على أمر جديد، فرأيت أن أكون أول هادم لهذا البناء العادي [1] القديم الذي وقف سدًّا دون سعادة الأمة وارتقائها دهرًا طويلًا، وأن يتم على يدي ما لم يتم على يد أحد غيري من دعاة الحرية وأشياعها [2] ، فعرضت الأمر على زوجتي فأكبرته وأعظمته وخيل إليها أنني جئتها بإحدى النكبات العظام، والرزايا الجسام، وزعمت أنها إن برزت إلى الرجال فإنها لا تستطيع أن تبرز إلى النساء بعد ذلك حياءً منهن وخجلًا، ولا خجل هناك ولا حياء، ولكنه الموت والجمود والذل الذي ضربه الله على هؤلاء النساء في هذا البلد أن يعشن في قبور مظلمة من خدورهن [3] وخمرهن [4] حتى يأتيهن الموت فينتقلن من مقبرة الدنيا إلى مقبرة الآخرة، فلابد لي أن أبلغ أمنيتي، وأن أعالج هذا الرأس القاسي المتحجر علاجًا ينتهي بإحدى الحسنيين إما بكسره أو بشفائه!..
فورد علي من حديثه ما ملأ نفسي همًّا وحزنًا، ونظرت إليه نظرة الراحم الراثي [5] ، وقلت: أعالم أنت أيها الصديق ما تقول؟
قال: نعم، أقول الحقيقة التي أعتقدها وأدين نفسي بها، واقعة من نفسك ونفوس الناس جميعًا حيث وقعت!
قلت: هل تأذن لي أن أقول لك: إنك عشت فترة طويلة في ديار قوم لا حجاب بين رجالهم ونسائهم، فهل تذكر أن نفسك حدثتك يومًا من الأيام وأنت فيهم بالطمع في شيء مما لا تملك يمينك من أعراض نسائهم فنلت ما تطمع فيه من حيث لا يشعر مالكه؟
(1) العادي: القديم (نسبة إلى قوم عاد) .
(2) أشياعها: أتباعها.
(3) الخدور: مفردها الخدر (بالكسر) : ما يفرد للجارية من السكن، الستر.
(4) الخمر: مفردها الخمار (بالكسر) : وهو ما تغطي به المرأة رأسها.
(5) رثا لحاله: رق له ورحمه.