الصفحة 9 من 157

وإن كان قد يطلق على بعض نصوصها أنها من المتشابه ، بمعنى أنه قد يشتبه على مقتصد في العلم معاني بعض نصوص الصفات ، لغموض أو احتمال لعدة معان ، فبرد الراسخين في العلم له إلى المحكم يتبين المعنى المراد ، شأنه في ذلك شأن غيره من أبواب العلم ، وتأويل هذا المتشابه هو تفسيره والراسخون في العلم يعلمونه .

كما يقولون إن بعض نصوص الصفات قد يكون فيها اشتباه ، من جهة إشتباه الشيء بالشيء ، فصفات الله قد يطلق مثلها على المخلوق ، فيحصل الاشتباه من ذلك لغير الراسخين في العلم ، في هذه النصوص الموهمة للتماثل بين الباري والبرية ، ويصح أن يقال إن هذا المتشابه لا يعلم تأويله إلاّ الله إذا جعل التأويل هو حقائق صفات الله وكيفياتها ، وبهذا يندفع التماثل المتوهم .

هذا على قول السلف الذين يثبتون جميع الصفات ، أما القولان الآخران ، فلهما شأن آخر ، فإن أصحابهما قد اصطلحوا على تسمية حمل الظاهر على المعنى المرجوح تأويلًا ، فكان لهذا تأثير في جعل نصوص الصفات من المتشابه ، فإنه ينتج منه أن يكون المراد بها خلاف الظاهر ، إذا طبقت آية المحكمات والمتشابهات عليها .

ولعل صنيع القاضي عبد الجبار الهمداني في كتابه متشابه القرآن ، يمثل موقف المعتزلة من علاقة مسائل العقيدة على وجه العموم والصفات على وجه الخصوص بالمتشابه ، فإنه جعل المتشابه هو الذي (يحتاج إلى زيادة فكر من حيث كان المراد به خلاف ظاهره ) (1) ، ويعني بالفكر النظر في الأدلة العقلية ، كما صرح بأن المتشابه (متى امتنع حمله على الظاهر ، فالواجب النظر فيما يجب أن يحمل عليه ، والنظر هو أن تطلب القرآن ...فان كان السامع قد مهدت له الأصول وعرف العقليات وما يجوز فيها وما لا يجوز ، وعلم ما يحسن التكليف فيه وما لا يحسن وعلم من جمل اللغة ما يعرف به أقسام المجاز ومفارقتها للحقائق ، حمله على ما أريد به في الحال) (2)

(1) متشابه القرآن للهمداني 1/32 .

(2) المصدر السابق 1/35 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت