وقوله: (أوغِلُوا) - بكسر المعجمة- من الوغول في الشيء والسير فيه والإمعان، والمراد: سر فيه برفق، وابلُغ الغاية القصوى منه بالرفق، لا على سبيل التهافت والخُرق، ولا تحمل على نفسك وتكلّفها ما لا تطيق فتعجز وتترك الدِّين والعمل [1] .
وهذه الأحاديث النبوية في الحث على الرفق في الدين والتسديد والمقاربة والتيسير هي في الواقع متفقة مع الآيات الكريمة الموضحة أنَّ الله تعالى لا يكلف نفسًا إلاَّ وسعها، ومعنى هذا: أنَّ المتشدِّد والمتنطع والذي يكلّف نفسه من العبادة قد زين له الشيطان وهواه ذلك، وأنساه طاقة وطبيعة نفسه البشرية، وأضله بجعله يظنّ أنَّه أعرف بنفسه وأحرص على مصلحتها من الله تعالى، ولكن سيظهر بعد حين أنَّه أرهق نفسه وشقّ عليها، فإمَّا أن يستمرّ مع شعوره بالملل، وإمَّا أن يتراجع مرتدًا ومقصرًا ومتحسرًا.
وهذا الحديث استشهد به الحافظ رحمه الله تعالى في شرح الأحاديث الواردة في صحيح البخاري في باب القصد والمداومة على العمل، وأوضح أنَّ المقصود بالقَصْد-بفتح القاف وسكون المهملة-: هو سلوك الطريق المعتدلة واستحباب ذلك، وقد فسروا السداد بالقصد.
وذلك في الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (سَدِّدُوا وقاربوا، واعلموا أن لن يُدخِل أحدكم عمله الجنّة، وأنَّ أحبَّ الأعمال أدومها إلى الله وإن قلّ) [2] .
ومعنى (سدِّدوا) اعملوا واقصدوا بعملكم السداد، أي: الصواب واتباع السنة من الإخلاص وغيره ليقبل عملك، فينزل عليكم الرحمة.
(وقاربوا) أي: لا تُفْرِطُوا فتجهدوا أنفسكم في العبادة؛ لئلا يفضي بكم ذلك إلى الملال فتتركوا العمل فتفرطوا [3] .
(1) غريب الحديث 2/27. النهاية 5/209.
(2) صحيح البخاري مع الفتح 11/294، (6464) ، و (6467) .
(3) فتح الباري 11/297.