ولعله في هذه الرحلة دخل طوس حيث صرح بوجوده فيها في أحد أسانيده (1) .
وإذا كان الأنصاري قد دخل هذه المدن واحتك بعلمائها، فلا بد من التعريف ولو بإيجاز بمكانتها في الحركة الفكرية في عصره.
ولا ريب أن الاهتمام بالحديث ودراسته كانت نشيطة في هراة منذ القرن الثالث الهجري حيث ألف أبو إسحاق أحمد بن محمد بن ياسين الحداد الهروي - المتوفى سنة 334 هـ (تاريخ هراة) للتعريف برجال الحديث من أهل هراة والقادمين إليها كما صنف معاصره أبو إسحاق أحمد بن محمد بن يونس في تاريخ هراة أيضًا (2) .
أما نيسابور وصفها السخاوي بأنها (دار السنة والعوالي) وذكر عددًا من أعلام محدثيها، وأشار إلى كثرة الرحلة إليها واستمرارها حتى اكتسحها المغول (3)
وقد برزت نيسابور فقط كمركز من مراكز الحديث المهمة منذ القرن الثالث الهجري حيث بلغ عدد علمائها والواردين عليها خلال القرن الثالث 1135عالمًا ترجم لهم الحاكم في (تاريخ نيسابور) (4) . وازداد عدد علمائها والواردين عليها خلال القرن الرابع الهجري حيث بلغ عددهم 1375عالمًا، ترجم لهم الحاكم أيضًا في تاريخه، واستمر دورها يتعاظم في القرن الخامس الهجري حيث ذكر عبد الغافر في (السياق) (5) - وهو ذيل على تاريخ نيسابور للحاكم 1699عالمًا - من علمائها والواردين عليها مما يدل على اطراد نمو الحركة الفكرية فيها، ويبدو أنها كانت تنافس (بغداد) في علم الحديث خلال القرنين الرابع
(1) ذم الكلام ق 40 ب.
(2) السبكي - طبقات الشافعية 4/85.
(3) الإعلان بالتوبيخ 666.
(4) وصل إلينا مختصر له - بالفارسية - وهو مطبوع - أما الأصل فهو مفقود.
(5) نشر فراي ما بقي منه مع مختصر تاريخ نيسابور للحاكم.