وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ مِثْلُ حَالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيَّادٍ الَّذِي ظَهَرَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ قَدْ ظَنَّ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ الدَّجَّالُ (1) ، وَتَوَقَّفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِهِ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ فِيمَا بَعْدُ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الدَّجَّالُ ؛ لَكِنَّهُ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْكُهَّانِ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ خَبَّأْت لَك خَبْئًا قَالَ: الدُّخُّ الدُّخُّ . وَقَدْ كَانَ خَبَّأَ لَهُ سُورَةَ الدُّخَانِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَك (2)
(1) - عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ أَقْبَلْنَا فِى جَيْشٍ مِنَ الْمَدِينَةِ قِبَلَ هَذَا الْمَشْرِقِ. قَالَ فَكَانَ فِى الْجَيْشِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَيَّادٍ وَكَانَ لاَ يُسَايِرُهُ أَحَدٌ وَلاَ يُرَافِقُهُ وَلاَ يُؤَاكِلُهُ وَلاَ يُشَارِبُهُ وَيُسَمُّونَهُ الدَّجَّالَ فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ نَازِلٌ فِى مَنْزِلٍ لِى إِذْ رَآنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَيَّادٍ جَالِسًا فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَىَّ فَقَالَ يَا أَبَا سَعِيدٍ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا يَصْنَعُ النَّاسُ لاَ يُسَايِرُنِى أَحَدٌ وَلاَ يُرَافِقُنِى أَحَدٌ وَلاَ يُشَارِبُنِى أَحَدٌ وَلاَ يُؤَاكِلُنِى أَحَدٌ وَيَدْعُونِى الدَّجَّالَ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنْتَ يَا أَبَا سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « إِنَّ الدَّجَّالَ لاَ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ » . وَإِنِّى وُلِدْتُ بِالْمَدِينَةِ وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « إِنَّ الدَّجَّالَ لاَ يُولَدُ لَهُ » . وَقَدْ وُلِدَ لِى فَوَاللَّهِ لَقَدْ هَمَمْتُ مِمَّا يَصْنَعُ بِى هَؤُلاَءِ النَّاسُ أَنْ آخُذَ حَبْلًا فَأَخْلُوَ فَأَجْعَلَهُ فِى عُنُقِى فَأَخْتَنِقَ فَأَسْتَرِيحَ مِنْ هَؤُلاَءِ النَّاسِ وَاللَّهِ مِا أَنَا بِالدَّجَّالِ وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَوْ شِئْتَ لأَخْبَرْتُكَ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَاسْمِ أُمِّهِ وَاسْمِ الْقَرْيَةِ الَّتِى يَخْرُجُ مِنْهَا. مسند أحمد (12068) صحيح
(2) - عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ مَعَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فِى رَهْطٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ ، حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِى مَغَالَةَ ، وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ الْحُلُمَ فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لاِبْنِ صَيَّادٍ « تَشْهَدُ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ » . فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ . فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَتَشْهَدُ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ فَرَفَضَهُ وَقَالَ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ . فَقَالَ لَهُ « مَاذَا تَرَى » . قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ يَأْتِينِى صَادِقٌ وَكَاذِبٌ . فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ » ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « إِنِّى قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا » . فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ هُوَ الدُّخُّ . فَقَالَ « اخْسَأْ ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ » . فَقَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه - دَعْنِى يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ . فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلاَ خَيْرَ لَكَ فِى قَتْلِهِ » . صحيح البخارى (1354 )
وفي فتح الباري لابن حجر - (ج 9 / ص 291)
وَقَوْله ( وَقَدْ قَارَبَ اِبْن صَيَّاد يَوْمئِذٍ يَحْتَلِم ) فِي رِوَايَة يُونُس وَشُعَيْب"وَقَدْ قَارَبَ اِبْن صَيَّاد الْحُلُم"وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ فَاعْتَرَضَ بِهِ فَقَالَ: لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه غُلَامًا أَنْ يَكُون لَمْ يَحْتَلِم .
قَوْله: ( أَشْهَد أَنَّك رَسُول الْأُمِّيِّينَ ) فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ الْيَهُود الَّذِينَ كَانَ اِبْن صَيَّاد مِنْهُمْ كَانُوا مُعْتَرِفِينَ بِبَعْثَةِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَكِنْ يَدَّعُونَ أَنَّهَا مَخْصُوصَة بِالْعَرَبِ ، وَفَسَاد حُجَّتهمْ وَاضِح جِدًّا ، لِأَنَّهُمْ إِذَا أَقَرُّوا بِأَنَّهُ رَسُول اللَّه اِسْتَحَالَ أَنْ يَكْذِب عَلَى اللَّه ، فَإِذَا اِدَّعَى أَنَّهُ رَسُوله إِلَى الْعَرَب وَإِلَى غَيْرهَا تَعَيَّنَ صِدْقه ، فَوَجَبَ تَصْدِيقه .
قَوْله: ( فَقَالَ اِبْن صَيَّاد أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُول اللَّه ) فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد التِّرْمِذِيّ"فَقَالَ أَتَشْهَدُ أَنْتَ أَنِّي رَسُول اللَّه".
قَوْله: ( قَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمَنْت بِاللَّهِ وَرُسُله ) وَلِلْمُسْتَمْلِيّ"وَرَسُوله"بِالْإِفْرَادِ ، وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد"آمَنْت بِاللَّهِ وَمَلَائِكَته وَكُتُبه وَرُسُله وَالْيَوْم الْآخِر"قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير ، إِنَّمَا عَرَضَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِسْلَام عَلَى اِبْن صَيَّاد بِنَاء عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الدَّجَّال الْمُحَذَّر مِنْهُ . قُلْت: وَلَا يَتَعَيَّن ذَلِكَ ، بَلْ الَّذِي يَظْهَر أَنَّ أَمْره كَانَ مُحْتَمَلًا فَأَرَادَ اِخْتِبَاره بِذَلِكَ فَإِنْ أَجَابَ غَلَبَ تَرْجِيح أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْ تَمَادِي الِاحْتِمَال ، أَوْ أَرَادَ بِاسْتِنْطَاقِهِ إِظْهَار كَذِبه الْمُنَافِي لِدَعْوَى النُّبُوَّة ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَاد أَجَابَهُ بِجَوَابٍ مُنْصِف فَقَالَ"آمَنْت بِاللَّهِ وَرُسُله". وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: كَانَ اِبْن صَيَّاد عَلَى طَرِيقَة الْكَهَنَة يُخْبِر بِالْخَبَرِ فَيَصِحّ تَارَة وَيَفْسُد أُخْرَى ، فَشَاعَ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْزِل فِي شَأْنه وَحَيّ ، فَأَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُلُوك طَرِيقَة يَخْتَبِر حَاله بِهَا ، أَيْ فَهُوَ السَّبَب فِي اِنْطِلَاق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ ، وَقَدْ رَوَى أَحَد مِنْ حَدِيث جَابِر قَالَ"وَلَدَتْ اِمْرَأَة مِنْ الْيَهُود غُلَامًا مَمْسُوحَة عَيْنه ، وَالْأُخْرَى طَالِعَة نَاتِئَة ، فَأَشْفَقَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُون هُوَ الدَّجَّال". وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرَة مَرْفُوعًا"يَمْكُث أَبُو الدَّجَّال وَأُمّه ثَلَاثِينَ عَامًا لَا يُولَد لَهُمَا ثُمَّ يُولَد لَهُمَا غُلَام أَضَرّ شَيْء وَأَقَلّه مَنْفَعَة ، قَالَ وَنَعَتَهُمَا فَقَالَ: أَمَّا أَبُوهُ فَطَوِيل ضَرْب اللَّحْم كَأَنَّ أَنْفه مِنْقَار ، وَأَمَّا أُمّه فَرْضَاخِيَّةٌ"أَيْ بِفَاءِ مَفْتُوحَة وَرَاء سَاكِنَة وَبِمُعْجَمَتَيْنِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا ضَخْمَة طَوِيلَة الْيَدَيْنِ"قَالَ فَسَمِعْنَا بِمَوْلُودٍ بِتِلْكَ الصِّفَة ، فَذَهَبْت أَنَا وَالزُّبَيْر بْن الْعَوَّام حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبَوَيْهِ - يَعْنِي اِبْن صَيَّاد - فَإِذَا هُمَا بِتِلْكَ الصِّفَة"وَلِأَحْمَد وَالْبَزَّار مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ قَالَ"بَعَثَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُمّه فَقَالَ: سَلْهَا كَمْ حَمَلَتْ بِهِ ؟ فَقَالَتْ حَمَلْت بِهِ اِثَّنَى عَشَر شَهْرًا ، فَلَمَّا وَقَعَ صَاحَ صِيَاح الصَّبِيّ اِبْن شَهْر"اِنْتَهَى ، فَكَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْل فِي إِرَادَة اِسْتِكْشَاف أَمْره .
قَوْله: ( مَاذَا تَرَى قَالَ اِبْن صَيَّاد يَأْتِينِي صَادِق وَكَاذِب )
فِي حَدِيث جَابِر عِنْد التِّرْمِذِيّ وَنَحْوه لِمُسْلِمِ"فَقَالَ أَرَى حَقًّا وَبَاطِلًا ، وَأَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاء"وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْده"أَرَى صَادِقَيْنِ وَكَاذِبًا"وَلِأَحْمَد"أَرَى عَرْشًا عَلَى الْبَحْر حَوْله الْحِيتَان".
قَوْله: ( قَالَ لُبِسَ ) بِضَمِّ اللَّام وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة الْمَكْسُورَة بَعْدهَا مُهْمَلَة أَيْ خُلِطَ ، وَفِي حَدِيث أَبِي الطُّفَيْل عِنْد أَحْمَد فَقَالَ"تَعُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرّ هَذَا".
قَوْله: ( إِنِّي قَدْ خَبَّأْت لَك خِبْئًا ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَبِفَتْحِهَا وَسُكُون الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا هَمْز ، وَبِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَكَسْر الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ هَمْز أَيْ أَخْفَيْت لَك شَيْئًا .
قَوْله: ( هُوَ الدُّخّ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُعْجَمَة ، وَحَكَى صَاحِب الْمُحْكَم الْفَتْح ، وَوَقَعَ عِنْد الْحَاكِم"الزَّخّ"بِفَتْحِ الزَّاي بَدَل الدَّالّ وَفَسَّرَهُ بِالْجِمَاعِ ، وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّة عَلَى تَغْلِيظه فِي ذَلِكَ ، وَيَرُدّهُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ الْمَذْكُور"فَأَرَادَ أَنْ يَقُول الدُّخَان فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَقَالَ الدُّخّ"، وَلِلْبَزَّارِ وَالطَّبَرَانِيِّ فِي"الْأَوْسَط"مِنْ حَدِيث زَيْد اِبْن حَارِثَة قَالَ"كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَّأَ لَهُ سُورَة الدُّخَّان"وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ السُّورَة وَأَرَادَ بَعْضهَا ، فَإِنَّ عِنْد أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق فِي حَدِيث الْبَاب"وَخَبَّأْت لَهُ: يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِينٍ"وَأَمَّا جَوَاب اِبْن صَيَّاد بِالدُّخِّ فَقِيلَ إِنَّهُ اِنْدَهَشَ فَلَمْ يَقَع مِنْ لَفْظ الدُّخَان إِلَّا عَلَى بَعْضه ، وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ الْآيَة حِينَئِذٍ كَانَتْ مَكْتُوبَة فِي يَد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَهْتَدِ اِبْن صَيَّاد مِنْهَا إِلَّا لِهَذَا الْقَدْر النَّاقِص عَلَى طَرِيقَة الْكَهَنَة ، وَلِهَذَا قَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"لَنْ تَعْدُو قَدْرك"أَيْ قَدْر مِثْلك مِنْ الْكُهَّان الَّذِينَ يَحْفَظُونَ مِنْ إِلْقَاء شَيَاطِينهمْ مَا يَحْفَظُونَهُ مُخْتَلَطًا صِدْقه بِكَذِبِهِ . وَحَكَى أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ أَنَّ السِّرّ فِي اِمْتِحَان النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِهَذِهِ الْآيَة الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ عِيسَى ابْن مَرْيَم يَقْتُل الدَّجَّال بِجَبَلِ الدُّخَّان ، فَأَرَادَ التَّعْرِيض ، لِابْنِ الصَّيَّاد بِذَلِكَ وَاسْتَبْعَدَ الْخَطَّابِيُّ مَا تَقَدَّمَ وَصَوَّبَ أَنَّهُ أَخَبَأَ لَهُ الدُّخّ وَهُوَ نَبْت يَكُون بَيْن الْبَسَاتِين ، وَسَبَب اِسْتِبْعَاده لَهُ أَنَّ الدُّخَان لَا يُخَبَّأ فِي الْيَد وَلَا الْكُمّ . ثُمَّ قَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُون خَبَّأَ لَهُ اِسْم الدُّخَان فِي ضَمِيره ، وَعَلَى هَذَا فَيُقَال: كَيْف اِطَّلَعَ اِبْن صَيَّاد أَوْ شَيْطَانه عَلَى مَا فِي الضَّمِير ؟ وَيُمْكِن أَنْ يُجَاب بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحَدَّثَ مَعَ نَفْسه أَوْ أَصْحَابه بِذَلِكَ قَبْل أَنْ يَخْتَبِرهُ فَاسْتَرَقَ الشَّيْطَان ذَلِكَ أَوْ بَعْضه .
قَوْله: ( اِخْسَأْ ) سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا فِي كِتَاب الْأَدَب فِي بَابٍ مُفْرَدٍ .
قَوْله: ( فَلَنْ تَعْدُو قَدْرك ) أَيْ لَنْ تُجَاوِز مَا قَدَّرَ اللَّه فِيك أَوْ مِقْدَار أَمْثَالك مِنْ الْكُهَّان . قَالَ الْعُلَمَاء: اِسْتَكْشَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْره لِيُبَيِّن لِأَصْحَابِهِ تَمْوِيهه لِئَلَّا يَلْتَبِس حَاله عَلَى ضَعِيف لَمْ يَتَمَكَّن فِي الْإِسْلَام وَمُحَصِّل مَا أَجَابَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ عَلَى طَرِيق الْفَرْض وَالتَّنَزُّل: إِنْ كُنْت صَادِقًا فِي دَعْوَاك الرِّسَالَة وَلَمْ يَخْتَلِط عَلَيْك الْأَمْر آمَنْت بِك . وَإِنْ كُنْت كَاذِبًا وَخُلِطَ عَلَيْك الْأَمْر فَلَا . وَقَدْ ظَهَرَ كَذِبك وَالْتِبَاس الْأَمْر عَلَيْك فَلَا تَعْدُو قَدْرك .
قَوْله: ( إِنْ يَكُنْ هُوَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْكُشْميهَنِيّ"إِنْ يَكُنْهُ"عَلَى وَصْل الضَّمِير ، وَاخْتَارَ اِبْن مَالِك جَوَازه ، ثُمَّ الضَّمِير لِغَيْرِ مَذْكُور لَفْظًا ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد أَحْمَد"أَنْ يَكُون هُوَ الَّذِي تَخَاف فَلَنْ تَسْتَطِيعهُ"وَفِي مُرْسَل عُرْوَة عِنْد الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَة"إِنْ يَكُنْ هُوَ الدَّجَّال".
قَوْله: ( فَلَنْ تُسَلَّط عَلَيْهِ ) فِي حَدِيث جَابِر"فَلَسْت بِصَاحِبِهِ ، إِنَّمَا صَاحِبه عِيسَى ابْن مَرْيَم".
قَوْله: ( وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلَا خَيْر لَك فِي قَتْله ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَإِنَّمَا لَمْ يَأْذَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَتْله مَعَ اِدِّعَائِهِ النُّبُوَّة بِحَضْرَتِهِ لِأَنَّهُ كَانَ غَيْر بَالِغ ، وَلِأَنَّهُ كَانَ مِنْ جُمْلَة أَهْل الْعَهْد ، قُلْت: الثَّانِي هُوَ الْمُتَعَيَّن ، وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي حَدِيث جَابِر عِنْد أَحْمَد ، وَفِي مُرْسَل عُرْوَة"فَلَا يَحِلّ لَك قَتْله"ثُمَّ إِنَّ فِي السُّؤَال عِنْدِي نَظَرًا ، لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّح بِدَعْوَى النُّبُوَّة ، وَإِنَّمَا أَوْهَمَ أَنَّهُ يَدَّعِي الرِّسَالَة ، وَلَا يَلْزَم مِنْ دَعْوَى الرِّسَالَة دَعْوَى النُّبُوَّة ، قَالَ اللَّه تَعَالَى ( إِنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِين عَلَى الْكَافِرِينَ ) الْآيَة .