[الشعراء/221-227] ، وَقَالَ تَعَالَى: { فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52) } (1) سورة الحاقة ، وَقَالَ تَعَالَى: { فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34) } (2)
(1) - قَسَمًا بِمَا تُشَاهِدُونَهُ فِي عَالَمِ المَرْئِيَّاتِ . وَقَسَمًا بِمَا غَابَ عَنْكُمْ مِنْ عَالَمِ الغَيْب .
إِنَّ هَذَا القُرْآنَ هُوَ كَلاَمُ اللهِ وَوَحْيُهُ أَنْزَلَهُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، فَمَا يَقُولُهُ لَكُمْ أَيُّهَا الكَافِرُونَ المُكَذِّبُونَ هُوَ قَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ، يُبَلِّغُكُمْ عَنْ رَبِّهِ .وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ، لأَنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ شَاعِرًا ، وَإِنَّكُمْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ لاَ تُؤْمِنُونَ إِلاَّ إِيمَانًا قَلِيلًا .
وَمَا هُوَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ كَمَا تَزْعُمُونَ ، لأَنَّهُ سَبَّ الشَّيَاطِينَ ، فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَا يَقُولُهُ إِلهَامًا مِنْهُمْ . وَلَكنَّكُمْ لَمَّا لَمْ تَسْتَطِيعُوا فَهْمَهُ قُلْتُمْ إِنَّهً كَلاَمُ كُهَّانٍ ، فَمَا أَقَلَّ تَذَكِّرَكُمْ وَتَدَبُّرَكُمْ .
لَيْسَ القُرْآنُ قَوْلَ شَاعِرٍ ، وَلاَ قَوْلَ كَاهِنٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُنْزَلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ ، عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ الرُّوحِ الأَمِينِ ، عَلَيهِ السَّلاَمُ .
وَلَوْ أَنَّ مُحَمَّدًا افْتَرَى عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقْوَالِ البَاطِلَةِ ، فَزَادَ فِي الرِّسَالَةِ أَوْ نَقَّصَ مِنْهَا ، أَوْ قَالَ شَيْئًا مِنْ عِنْدِهِ فَنَسَبَهُ إِلينَا ، لَعَاجَلْنَاهُ بِالعُقوبَةِ .لأَمْسَكْنَا بِيَمِينِهِ كَمَا يُفَعَلُ بِمَنْ تُضْرَبُ أَعْنَاقُهُمْ . ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ عِرْقَ العُنُقِ الأَكْبَرِ . وَمَتَى قُطِعَ الوَتِينُ كَانَ المَوْتُ المُحَقَّقُ . وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنْ يَحْجِزَ عِقَابَنَا وَيَمْنَعَهُ مِنَ النُّزُولِ بِهِ . وَإِنَّ هَذَا القُرْآنَ لَعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُتَّقِينَ ، الذِينَ يَخْشَونَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ ، فَيُطِيعُونَ أَوَامِرَهُ ، وَيَنْتَهُونَ عَمَّا زَجَرَهُمْ عَنْهُ .وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ يُكَذِّبُونَ النَّبِيَّ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ رَبِّهِ .
وَإِنَّ هَذَا القُرْآنَ يُسَبِّبُ حَسْرَةً عَظِيمَةً لِلْكَافِرِينَ ، حِينَمَا يَرَوْنَ فَوْزَ المُؤْمِنِينَ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا ، وَإِنَّهُ سَبَبُ حَسْرَةٍ عَلَيْهِمْ فِي الآخِرَةِ ، حِينَمَا يَرَوْنَ فَوْزَهُمْ بِرِضْوَانِ اللهِ ، وَإِكْرَامِهِ لَهُمْ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ .
وَإِنَّ هَذَا القُرْآنَ لَهُوَ الحَقُّ الذِي لاَ شَكَّ فِي أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى .
فَسَبِّحْ بِاسْمِ اللهِ تَعَالَى وَنَزِّهْهُ عَمَّا لاَ يَلِيقُ بِجَلاَلِهِ وَكَمَالِهِ ، وَدُمْ عَلَى ذِكْرِ اسْمِ رَبِّكَ الكَرِيمِ .
(2) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالى رَسُولَهُ الكَرِيمَ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يُبَلِّغَ رِسَالَتَهُ إِلى النَّاسِ ، وَبِأَنْ يُذَكِّرَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ عَليهِ وَيَقُولُ لَهُ تَعَالى: إِنَّكَ لَسْتَ ، بِحَمْدِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ عَلَيكَ ، بِكَاهِنٍ مِنَ الكُهَّانِ ، الذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّهُم يَتَّصِلُونَ بِالجِنِّ ، وَيَأْتُون بِأْسْرارِ الغَيبِ مِنْهُم ، وَلَسْتَ بِمَجْنُونٍ يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ المَسِّ .
( كَانَ مُشْرِكُوا قُريشٍ لا يَجِدُونَ مَا يَرُدُّونَ بِهِ الحَقَّ الذِي جَاءَهُم بِهِ رَسُولُ اللهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ إِلاَّ القَوْلَ تَارةً إِنَّهُ كَاهِنٌ ، وَتَارةً إِنَّهُ مَجْنُونٌ يَهْذي بِكَلامٍ لا مَعْنًى لَهُ ، وَقَدْ رَدَّ اللهُ تَعَالى عَلَيهِم قَوْلَهم هذا نافيًا ما يَتَّهِمُونَ بِهِ الرَّسُولَ ) .
بَلْ هُمْ يَقُولُونَ إِنَّهُ شَاعِرٌ نَنْتَظِرُ أَنْ تَنْزِلَ بِهِ قَوارعُ الدَّهْرِ فَيمُوتَ وَنْسْتَرِيحَ مِنْهُ .
فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: انتَظِروا أَنْ يَنْزِلَ رَيْبُ المَنُونِ فَإِنِّي مُتَرَبِّصٌ مَعَكُم ، مَنْتَظِرٌ قَضاءَ اللهِ فِيَّ وَفِيكُمْ ، وَسَتَعْلَمُونَ لمنْ تَكُونُ العَاقِبَةُ الحَسَنَةُ والظَّفَرُ ، في الدُّنيا وَالآخِرةِ .
بَلْ تَأْمُرُهُمْ عُقُولُهُمْ بهذا الذِي يَقُولُونَ في الرَّسُولِ مِنَ الأَقَاوِيلِ البَاطِلةِ التي يَعْلَمُونَ في أَنْفِسِهِمْ أَنَّها كَذِبٌ ، وَأَنَّها مُتَنَاقِضَةٌ فِيما بَيْنَها ، فَالشَّاعرُ غَيْرُ الكَاهِنِ وَغَيْرُ المَجْنُونِ ، وَلكِنَّهُمْ قَومٌ طَاغُونَ ، ضَالَّونَ ، مُعَانِدُونَ .
أَيَقُولُونَ شَاعرٌ ، أَمْ يَقُولُونَ كَاهِنٌ ، أَمْ يَقُولُونَ إِنَّهُ اخْتَلَقَ القُرآنَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ وَنَسَبَه إِلى اللهِ كَذِبًا وافْتِرَاءً عَلَى اللهِ . وَالحَقِيقةُ هِيَ أَنَّ كُفْرَهُمْ هُوَ الذِي يَحمِلُهُمْ عَلَى قَوْلِ مَا يَقُولُونَ .
فَإِنْ كَانُوا صَادِقينَ في قَولِهِمْ إِنَّ مُحمَّدًا تَقَوَّلَ مِنْ هذا القُرآنِ ، إِنَّهُمْ عَنْ ذلكَ عَاجِزُونَ ، مَعَ أَنَّ القُرآن جَاءَ بِاللُّغَةِ العَرَبيَّةِ ، وَكَانُوا هُمْ أَسَاطِينَ البلاغَةِ في عَصْرهِمْ .