[الأنعام/121] ، وَقَالَ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } (1) (112) سورة الأنعام، وَقَالَ: { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227) } (2)
(1) - وَكَمَا جَعَلْنَا هؤُلاَءِ وَأَمْثَالَهُمْ أَعْدَاءً لَكَ يَا مُحَمَّدُ ، يُخَالِفُونَكَ وَيُعَانِدُونَكَ ، وَيُعَادُونَكَ ، كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنْ قَبْلِكَ أَعْدَاءً مِنْ شَيَاطِينِ الإِنْسِ وَالجِنِّ ( شَيَاطِينُ الإِنْسِ هُمُ الكُبُرَاءُ وَمَنْ يُضِلُّونَ النَّاسَ عَنِ الهُدَى بِالوَسْوَسَةِ وَالإِغْرَاءِ وَالمُخَادَعَةِ ) ، وَيُلْقِي بَعْضُ هَؤُلاَءِ الشَّيَاطِينِ مِنَ الإِنْسِ وَالجِنِّ إلى بَعْضِ القَوْلِ المُمَوَّهَ الذِي يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَسْتُرُونَ بِهِ قُبْحَ بَاطِلِهِمْ ، وَيُؤَدُّونَهُ بِطُرُقٍ خَفِيَّةٍ لاَ يَفْطَنُ إلَى بَاطِلِهَا كُلُّ وَاحِدٍ ، حَتَّى يَغُرُّوا النَّاسَ وَيَخْدَعُوهُمْ وَيُمِيلُوهُمْ إلَى مَا يُرِيدُونَ ، كَمَا وَسْوَسَ الشَّيْطَانُ لآدَمَ وَحَوْاءَ لِلأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ التِي نَهَاهُمَا اللهُ عَنْهَا ، وَكَمَا يُوَسْوِسُ شَيَاطِينُ الإِنْسِ لِمَنْ يَجْتَرِحُونَ السَّيِّئَاتِ ، فَيُزَيِّنُونَ لَهُمْ مَا فِيهَا مِنْ عَظِيمِ اللَّذَّةِ ، وَالتَّمَتُّعِ بِالحُرِّيَّةِ ، وَيُمَنُّونَهُمْ بِعَفْوِ اللهِ .
وَلَوْ شَاءَ اللهُ أَنْ لاَ يَفْعَلُوا ذَلِكَ لَمَا فَعَلُوهُ وَلَكِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ إِذْ خَلَقَ النَّاسُ عَلَى اسْتِعْدَادٍ لِقُبُولِ الحَقِّ وَالبَاطِلِ ، وَالخَيْرِ وَالشَّرِّ .
(2) - زعَمَ بعضُ المُشركينَ أنَّ ما جَاءَ بهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ليسَ بِحَقٍّ ، وأنَّهُ شيءٌ افْتَعَلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ ، وأتَاهُ بِهِ رِئيٌّ مِنَ الجَانِّ .
وَيَرُدُّ اللهُ تَعالى عَلَى هَؤلاءِ المُفْتَرِينَ مُنَزِّهًا رَسُولَهُ الكَريمَ عَنْ قولِهِمْ وافْتِرَائِهِمْ ، ومُنَبِّهًا إلى أنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ إنَّمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، وليْسَ مِنْ قِبَلِ الشَّيَاطينِ ، لأنَّ الشَّياطِينَ إنَّمَا تَتَنَزَّلُ عَلى مَنْ يُشَاكِلُهُمْ ويُشَابِهُهُمْ مِنَ الكهَّانِ الكَذَبَةِ الفَسَقَةِ .
إِنَّهُمْ يَتَنَزَّلُونَ عَلَى كُلِّ كَاذِبٍ ( أَفَّاكٍ ) فَاجِرٍ كَثيرِ الإِثْمِ مِنَ الكَهَنَةِ .
ويَسْتَرِقُ الشَّياطينُ السَّمْعَ منَ السَّمَاءِ فيَسْمَعُونَ الكَلِمَةِ منْ عِلْمِ الغَيْبِ ، فَيَزِيدُونَ فِيها الكَذِبَ مِنْ أنْفُسِهِمْ ، ويُلْقُونَهُ إلى أوْلِيَائِهِمْ مِنَ الإِنْسِ ، فَيُحَدِّثُونَ بِهِ ، ويَزِيدُونَ فيهِ مِنْ عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ، فَيُصدِّقُهُمْ النَّاسُ في كُلِّ ما قَالُوا بِسبِبِ صِدْقِهِمْ في تِلكَ الكلمَةِ التي سُمِعَتْ مِنَ السَّماءِ . ومُحَمَّدٌ رَجُلٌ لا يَكْذِبُ ، فلا سَبِيلَ إلى مُقَارَنَتِهِ بِالكَهَنَةِ الكَذَّابيْنَ .
قَالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا لَشاعرٌ ، وقالوا: إن القرآنُ شِعْرٌ فأنزَلَ اللهُ تَعالى هذهِ الآيةَ الكريمةَ يُرُدُّ بها على افْتِرَائِهِمْ هَذا ، ويقولُ لهمْ إنَّ القرآنَ فيما حَوَاه من حِكَمٍ وأحْكَامٍ ، وفي أُسْلُوبِه يَتَنَاقَضُ مع الشِّعْرِ . وإنَّ حَالَ مُحَمَّدٍ يَتَنَافَى مَعَ حَالِ الشُّعْراءِ ، فهوَ لا يَنْطِقُ إلا بالحَقِّ والحِكْمَةِ ، والصِّدْقِ ، ويَتَّبِعُهُ الصَّادِقُونَ المُخْلِصُونَ . والشُّعَراءُ يقولونَ الباطِلَ والزُّورَ ، ولا يَتَّبِعُهُمْ إلا الضَّالُّونَ .
والشُّعَرَاءُ يَخُوضُونَ في كُلِّ لغْوٍ ، ويَهِيمُونَ على وجُوهِهِمْ في كلِّ فَنٍّ مِنْ فُنُونِ الكَلاَمِ ، فَهُمْ يَخُوضُونَ مرةً فِي شَتيمةِ فلانٍ ، ومَرةً في مَدِيحِ فُلانٍ ، فلا يَهْتَدُونَ إلى الحقِّ .
والشُّعْرَاءُ يقُولُونَ مَا لاَ يَلْتَزِمُونَ بهِ في عَمَلِهِمْ ، ويَتَبَجَّحُونَ بأقْوَالٍ وأَفْعَالٍ لمْ تَصْدُرْ عَنْهُمْ ولا مِنْهُمْ ، فَيتَكَثَّرُونَ بِمَا ليسَ لهُمْ ، والرَّسُولُ الذي أُنْزِلَ عليهِ القُرآنُ ليسَ بِكَاهِنٍ ، ولا شَاعِرٍ لأنَّ حالَهُ مُنَافٍ لِحَالِ الشُّعَراءِ مِنْ وُجُوهٍ ظَاهِرَةٍ .
واسْتَثْنَى اللهُ تَعالى مِنَ الصِّفَاتِ المُتَقَدِّمَةِ الشُّعراءَ الذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ، وَذَكَرُوا الله كَثيرًاُ ، وتَوَلَّوا الرَّدَّ على الكُفَّارِ الذينَ كانُوا يَهْجُونَ المُؤْمِنِينَ .
( وفي الحَديثِ:"إِنَّ المُؤمنَ يُجَاهِدُ بِسَيْفِهِ ولِسَانِهِ ، والذي نَفْسِي بِيدَهِ لَكَأَنَّ مَا تَرمُونَ بهِ نَضحُ النَّبْلِ") . ( أََخرَجهُ الإِمامُ أحمدُ ) . وسَيَعْلَمُ الذينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالشِّرْكِ ، وهِجَاءِ الرَّسُولِ ، كَيفَ يَكُونَ مُنْقَلَبُهُمْ يومَ القيَامَةِ ، وفي ذَلكَ اليومِ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ معذِرَتُهُمْ .