وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ أَىُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ فَقَالَ « إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ » . قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ « الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ » . قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ « حَجٌّ مَبْرُورٌ » (1) . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قِيلَ لِلنَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ « لاَ تَسْتَطِيعُونَهُ » . قَالَ فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ « لاَ تَسْتَطِيعُونَهُ » . وَقَالَ فِى الثَّالِثَةِ « مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ لاَ يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلاَ صَلاَةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى » (2)
(1) - صحيح البخارى (26 ) ومسلم (258 )
وفي فتح الباري لابن حجر - (ج 1 / ص 43)
قَالَ النَّوَوِيّ: ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيث الْجِهَاد بَعْد الْإِيمَان ، وَفِي حَدِيث أَبِي ذَرّ لَمْ يَذْكُر الْحَجّ وَذَكَرَ الْعِتْق ، وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود بَدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ الْبِرّ ثُمَّ الْجِهَاد ، وَفِي الْحَدِيث الْمُتَقَدِّم ذَكَرَ السَّلَامَة مِنْ الْيَد وَاللِّسَان . قَالَ الْعُلَمَاء: اِخْتِلَاف الْأَجْوِبَة فِي ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَال ، وَاحْتِيَاج الْمُخَاطَبِينَ ، وَذَكَرَ مَا لَمْ يَعْلَمهُ السَّائِل وَالسَّامِعُونَ وَتَرَكَ مَا عَلِمُوهُ ، وَيُمْكِن أَنْ يُقَال: إِنَّ لَفْظَة"مِنْ"مُرَادَة كَمَا يُقَال فُلَان أَعْقَل النَّاس وَالْمُرَاد مِنْ أَعْقَلهمْ ، وَمِنْهُ حَدِيث"خَيْركُمْ خَيْركُمْ لِأَهْلِهِ"وَمِنْ الْمَعْلُوم أَنَّهُ لَا يَصِير بِذَلِكَ خَيْر النَّاس ، فَإِنْ قِيلَ لِمَ قَدَّمَ الْجِهَاد وَلَيْسَ بِرُكْنٍ عَلَى الْحَجّ وَهُوَ رُكْن ؟ فَالْجَوَاب: أَنَّ نَفْع الْحَجّ قَاصِر غَالِبًا ، وَنَفْع الْجِهَاد مُتَعَدٍّ غَالِبًا ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَ الْجِهَاد فَرْض عَيْن - وَوُقُوعه فَرْض عَيْن إِذْ ذَاكَ مُتَكَرِّر - فَكَانَ أَهَمَّ مِنْهُ فَقُدِّمَ ، وَاَللَّه أَعْلَم .
قلت ومثله عَنْ أَبِى ذَرٍّ - رضى الله عنه - قَالَ سَأَلْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - أَىُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ، قَالَ: « إِيمَانٌ بِاللَّهِ ، وَجِهَادٌ فِى سَبِيلِهِ » . قُلْتُ فَأَىُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ قَالَ: « أَغْلاَهَا ثَمَنًا ، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا » . قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ . قَالَ: « تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ » . قَالَ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ . قَالَ: « تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ » صحيح البخارى (2518 ) .
الأخرق: الجاهل بما يجب أن يعمله ولم يكن في يديه صنعة يكتسب بها
(2) - صحيح مسلم (4977 ) والبخاري (2787 )
وفي شرح النووي على مسلم - (ج 6 / ص 357)
وَفِي هَذَا الْحَدِيث عَظِيم فَضْل الْجِهَاد ؛ لِأَنَّ الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالْقِيَام بِآيَاتِ اللَّه أَفْضَل الْأَعْمَال ، وَقَدْ جَعَلَ الْمُجَاهِد مِثْل مَنْ لَا يَفْتُر عَنْ ذَلِكَ فِي لَحْظَة مِنْ اللَّحَظَات ، وَمَعْلُوم أَنَّ هَذَا لَا يَتَأَتَّى لِأَحَدٍ ، وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَا تَسْتَطِيعُونَهُ"وَاللَّهُ أَعْلَم .
وفي المنتقى - شرح الموطأ - (ج 3 / ص 20)
849 - ( ش ) قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ السَّبِيلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ الطَّرِيقُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَجَمِيعُ أَعْمَالِ الْبِرِّ هِيَ سَبِيلُ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ إِذَا أُطْلِقَتْ فِي الشَّرْعِ اِقْتَضَتْ الْغَزْوَ إِلَى الْعَدُوِّ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى بِمَالٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ: سُبُلُ اللَّهِ كَثِيرَةٌ وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ فِي الْغَزْوِ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ إِطْلَاقَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ أَظْهَرُ فِي الْغَزْوِ وَتَمْثِيلُهُ الْمُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِالصَّائِمِ الْقَائِمِ يُرِيدُ فِي عِظَمِ ثَوَابِهِ وَكَثْرَتِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ لَهُ مِنْ الثَّوَابِ عَلَى جِهَادِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِثْلَ ثَوَابِ الْمُسْتَدِيمِ لِلْقِيَامِ وَالصِّيَامِ لَا يَفْتُرُ عَنْهُمَا وَإِنَّمَا أَحَالَ عَلَى ثَوَابِ الصَّائِمِ وَالْقَائِمِ وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْرِفُ مِقْدَارَهُ لِمَا قَرَّرَ الشَّرْعُ مِنْ كَثْرَتِهِ وَعُرِفَ مِنْ عَظَمَتِهِ وَالْمُرَادُ بِالْقَائِمِ هَهُنَا الْمُصَلِّي يُقَالُ فُلَانٌ يَقُومُ بِاللَّيْلِ إِذَا كَانَ يُصَلِّي فِيهِ .
( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَائِمِ الَّذِي لَا يَفْتُرُ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ حَتَّى يَرْجِعَ يُرِيدُ أَنَّ حَالَ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي أَجْرِهِ وَثَوَابِهِ مِثْلُ أَجْرِ هَذَا لِأَنَّ جَمِيعَ تَصَرُّفِ الْمُجَاهِدِ وَأَكْلِهِ وَنَوْمِهِ وَغَفْلَتِهِ يُمَاثِلُ ثَوَابُهُ ثَوَابَ الَّذِي يَقْرِنُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ فَقَالَ: لَا أَجِدُ هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ الْمَسْجِدَ تُصَلِّي لَا تَفْتُرُ وَتَصُومُ لَا تُفْطِرُ قَالَ: مَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ .