سورة الواقعة .
وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْإِنْسَانِ: { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) (1) } الْآيَاتِ .
(1) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ خَلَقَ الإِنْسَانَ وَأَوْجَدَهُ مِنْ عَدَمٍ ، وَيَسْأَلُ اللهُ تَعَالَى الإِنْسَانَ: أَلاَ يَعْرِفُ أَنَّهُ مَضَى عَلَيْهِ حِينٌ مِنَ الزَّمَانِ؟ قَبْلَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ ، وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْئًا يُعْرَفُ فَيُذْكَرُ اسمُهُ؟
لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ ذَاتِ عَنَاصِرَ شَتَّى ، اخْتَلَطَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، لِنَخْتَبِرَهُ بِالتَّكْلِيفِ إِذَا شَبَّ وَبَلَغَ الحُلُمَ ، وَنَرَى هَلْ يَشْكُرُ رَبَّهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ خَلْقٍ وَرِزْقٍ وَصِحَّةٍ ، أَمْ يَكْفُرُ؟ وَجَعَلْنَاهُ ذَا سَمْعٍ لَيَسْتَطِيعَ سَمَاعَ الآيَاتِ ، وَجَعَلْنَاهُ ذَا بَصَرٍ لِيَسْتَطِيعَ رُؤْيَةَ الدَّلاَئِلِ ، فَيَتَفَكَّرَ وَيَتَدَبَّرَ .
وَأَعْطِينَاهُ العَقْلَ والسَّمْعَ والبَصَرَ لِيُدْرِكَ وَيَعْقِلَ ، وَبِيَّنَا لَهُ طَرِيقَ الهُدَى وَطَرِيقَ الضَّلاَلِ لِيَخْتَارَ بِطَوْعِهِ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ ، وَبَيْنَ الهُدَى وَالمَعْصِيَةِ ، فَمَنْ آمَنَ بِرَبِّهِ شَكَرَ ، وَمَنْ كَفَرَ بِرَبِّهِ جَحَدَ وَكَفَرَ النِّعْمَةَ .
إِنَّا أَعْدَدْنَا وَهَيَّأْنَا لِمَنْ كَفَرَ بِنِعْمَتِنَا ، وَخَالَفَ أَمْرَنَا ، سَلاَسِلَ يُقَادُ بِهَا إِلَى الجَحِيمِ ، وَأَغْلاَلًا تُشَدُّ بِهَا أَيْدِيهِ إِلَى عُنُقِهِ ، وَنَارًا يُعَذَّبُ فِيهَا .
إِنَّ الكرَامَ البَرَرَةَ الذِينَ أَطَاعُوا اللهَ ، يَشْرَبُونَ مِنْ خَمْرٍ كَانَ مَا يُمْزَجُ بِهَا مَاءَ الكَافُورِ .
وَهَذَا المِزَاجُ مِنْ عَيْنٍ يَشْرَبُ بِهَ عِبَادُ اللهِ المُتَّقُونَ ، وَهُمْ فِي الجَنَّاتِ يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا كَيْفَ شَاؤُوا ، وَيُجْرُونَها حَيْثُ أَرَادُوا مِنْ دُورِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ .
وَهَؤُلاَءِ الأَبْرَارُ يُوفُونَ بِمَا أَوْجَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ نُذُورٍ ، لأَنَّ مَنْ أَوْفَى بِمَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ كَانَ أَكْثَرَ وَفَاءً بِمَا أَوْجَبَهُ اللهُ عَلَيْهِ ، وَيَتْرُكُونَ المُحَرَّمَاتِ التِي نَهَاهُمْ رَبُّهُمْ عَنْهَا ، خِيفَةَ سُوءِ الحِسَابِ يَوْمَ القِيَامَةِ ، وَهُوَ يَوْمٌ ضَرَرُهُ مُنْتَشِرًا فَاشِيًا عَامًّا عَلَى النَّاسِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللهُ .
وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ ، مَعَ شَهْوَتِهِمْ لَهُ ، وَرَغْبَتِهِمْ فِيهِ ، لِلْفَقِير العَاجِزِ عَن الكَسْبِ ( المِسْكِينِ ) ، وَاليَتِيمِ الذِي مَاتَ أَبُوهْ ، وَهُوَ دُونَ سِنِّ البُلُوغِ وَالأَسِيرِ العَاني الذِي لاَ يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ قُوتًا .
وَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يُطْعِمُونَ الفُقَرَاءَ وَالمَسَاكِينَ والأَيْتَامَ وَالأَسْرَى ، لأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ ثَوَابَ اللهِ وَرِضْوَانَهُ وَحْدَهُ ، لاَ يَطْمَعُونَ فِي جَزَاءٍ مِنْ أَحَدٍ غَيْرِهِ عَلَى إِنْفَاقِهِمْ ، وَلاَ فِي شُكْرٍ مِنَ المُنْفَقِ عَلَيْهِ .
وَإِنَّنَا إِنَّمَا نَفْعَلُ ذَلِكَ رَجَاءَ أَنْ يَرْحَمَنَا رَبُّنَا فِي يَوْمِ القِيَامَةِ ، وَهُوَ يَوْمٌ طَوِيلٌ عَصِيبٌ ، تَعْبِسُ فِيهِ الوُجُوهُ وَتَكْلَحُ مِنْ شِدَّةِ أَهْوَالِهِ .
فَآمَنَهُمْ اللهُ شَرَّ مَا خَافُوهُ ، وَأَعْطَاهُمْ أَمنًا تَكُونُ لَهُ وُجُوهُهُمْ نَضِرَةً ، وَسُرُورًا تُسَرُّ بِهِ قُلُوبُهُمْ ، وَالقَلْبُ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ الوَجْهُ .
وَجَزَاهُمُ اللهُ بِصَبْرِهِمْ عَلَى الإِيْثَارِ ، وَمَا يُؤَدِّي إِلَيهِ مِنَ الجُوعِ وَالعُرْيِ ، جَنَّةً لَهُمْ فِيهَا مَنْزِلٌ رَحْبٌ ، وَعَيْشٌ رَغْدٌ ، وَلِبَاسٌ مِنْ حَرِيرٍ .
وَيَجْلِسُونَ فِي الجَنَّةِ عَلَى السَّرَائِرِ والأَرَائِكِ ، وَهُمْ مُتَّكِئُونَ فِي وَضْعِ مَنْ هُوَ مُنَعَّمٌ ، لاَ يُقَاسُونَ حَرًّا مُزْعِجًا ، وَلاَ بَرْدًا مُؤْلِمًا .