ذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ وَآخِرِهَا وَفِي سُورَةِ الْإِنْسَانِ ؛ وَالْمُطَفِّفِينَ وَفِي سُورَةِ فَاطِرٍ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذَكَرَ فِي الْوَاقِعَةِ الْقِيَامَةَ الْكُبْرَى فِي أَوَّلِهَا وَذَكَرَ الْقِيَامَةَ الصُّغْرَى فِي آخِرِهَا فَقَالَ فِي أَوَّلِهَا: { إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14) } (1) [الواقعة/1-14] ، فَهَذَا تَقْسِيمُ النَّاسِ إذَا قَامَتْ الْقِيَامَةُ الْكُبْرَى الَّتِي يَجْمَعُ اللَّهُ فِيهَا الْأَوَّلِينَ والآخرين كَمَا وَصَفَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى فِي آخِرِ السُّورَةِ: فَلَوْلَا أَيْ: فَهَلَّا فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96) (2)
(1) - إِذَا قَامَتِ القِيَامَةُ . وَسُمِّيَتِ القِيَامَةُ الوَاقِعَةَ لَتَحَقُّقِ حُدُوثِهَا .
فَلَيْسَ لِوُقُوعِهَا - إِذَا أَرَادَ اللهُ كَوْنَهَا - مَنْ يَصْرِفُهُ أَوْ يَدْفَعُهُ ( أَوْ فَلاَ تَبْقَى نَفْسٌ مُكَذِّبَةً بِوُقُوعِهَا ) .
فَتَخْفِضُ أَقْوامًا إِلَى الجَحيمِ ، وَتَرْفَعُ أَقْوَامًا إِلَى عِلِّيِّينَ .
إِذَا وَقَعَتِ الوَاقِعَةُ تَتَزَلْزَلُ الأَرْضُ زِلْزَالًا شَدِيدًا ، وَتَتَحَرَّكُ تَحْرُّكًا عَنِيفًا ، وَتَضْطَرِبُ بِطُولِهَا وَعَرْضِهَا ، فَتْنَدَكُّ الحُصُونُ وَالقِلاَعُ وَالأَبْنِيَةُ وَالجِبَالُ .
( وَقَالَ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ { إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ . }
وَإِذا وَقَعَتِ الوَاقِعَةُ تَتَفَتَّتُ الجِبَالُ تَفَتُّتًا ، وَتُصْبحُ مِثْلَ كَثِيبِ الرَّمْلِ لاَ تَمَاسُكَ بَيْنَ أَجْزَائِهَا .
وَتَصِيرُ الجِبَالُ ذَرَّاتٍ مُتَطَايِرَةً كَالهَبَاءِ الذِي يَتَطَايَرُ مِنْ شَرَرِ النَّارِ إِذَا اشْتَعَلَتْ ، فَإِذَا وَقَعَ عَلَى الأَرْضِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا .
وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُصْبحُ النَّاسُ أَصْنَافًا ثَلاَثَةً .
فَأَصْحَابُ المَيْمَنَةِ الذِينَ يَأْخُذُونَ كِتَابَهُمْ بِأَيمَانِهِمْ ، وَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا يَكُونُ عَلَيْهِ حَالُهُمْ مِنَ السَّعَادَةِ ، وَالفَرْحَةِ ، وَالنَّضْرَةِ ، وَالنِّعْمَةِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ العَصيبِ .
وَأَصْحَابُ المَشْأَمَةِ الذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهُمْ بِشَمَائِلِهِمْ ، وَيُوقَفُونَ إِلَى شَمَالِ الجَمْعِ لِيُسَاقُوا إِلَى النَّارِ ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَكُونُ عَلَيهِ حَالُهُمْ مِنَ المَذَلَّةِ وَالمَسَاءَةِ ، وَالخِزْيِ وَالخُشُوعِ .
أَمَّا الصّنْفُ الثَّالِثُ فَهُم السَّابِقُونَ فِي الدُّنْيَا إِلَى الإِيْمَانِ ، وَفِعْلِ الخَيْرَاتِ ، وَأَدَاءِ الطَّاعَاتِ ، وَهَؤُلاَءِ يَكُونُونَ سَابِقِينَ إِلَى الفَوْزِ بِرَحْمَةِ اللهِ ، وَبِدُخُولِ الجَنَّةِ .
( وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"أَتَدْرُونَ مَنِ السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ: الذِينَ إِذَا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لأَنْفُسِهِمْ") ( رَوَاهُ أَحْمَدُ ) .
وَهَؤُلاءِ السَّابِقُونَ هُم الذِينَ نَالُوا الحُظْوَةَ عِنْدَ اللهِ في الجَنَّةِ .
وَيَتَمَتَّعُونَ فِي الجَنَّةِ بِمَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذْنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ .
وَهَؤُلاءِ السَّابِقُونَ هُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الأُمَمِ السَّالِفَةِ .
وَقِلَّةٌ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ( الآخِرِينَ ) .
(2) - فَإِذَا كُنْتُمْ تَدَّعُونَ أَنَّهُ لاَ خَالِقَ فِي الوُجُودِ ، وَأَنَّكُمُ الخَالِقُونَ ، فَهَلاَّ أَرْجَعْتُمُ الأَنْفُسَ المُحْتَضَرَةَ ، التِي بَلَغَتِ الحَلاَقِيمَ ، وَأَعَدْتُمُوهَا إِلَى مَكَانِهَا مِنَ الأَجْسَادِ؟
وَأَنْتُمْ جَالِسُونَ أَمَامَ المُحْتَضَرِ تَنْظُرُونَ إِلَيهِ ، وَنَفْسُهُ قَدْ بَلَغَتِ الحُلْقُومَ فِي خُرُوجِهَا مِنَ الجَسَدِ .
وَرُسُلُنَا الذِينَ جَاؤُوا لِقَبْضِ رُوحِ المُحْتَضرِ َقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنَّكُمْ لاَ تُبْصِرُونَهُمْ .
فَإِذَا كُنْتُمْ تَعْتَقِدُونَ أَنَّكُمْ غَيرُ مَبُعُوثِينَ ، وَغَيْرُ مُحَاسَبِينَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ .
غَيْرَ مَدِينِينَ - غَيْرَ مُحَاسَبِينَ أَوْ غَيْرَ مَجْزِيِّينَ بِهَا .
فَهَلاَّ أَرْجَعْتُمُ الأَنْفُسَ المُحْتَضَرَةَ إِلَى مَكَانِهَا مِنَ الجَسَدِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِيمَا تَعْتَقِدُونَ مِنْ أَنَّكُمْ لاَ تُبْعَثُونَ ، وَلاَ تُحَاسَبُونَ .
فَإِذَا كَانَ المُحْتَضِرُ مِنَ المُقَرَّبِينَ الذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ ، وَفَعَلُوا الطَّاعَاتِ ، وَاجْتَنَبُوا مَا حَرَّمَ اللهُ تَعَالَى .
فَيَكُونُ لَهُ رَاحَةٌ وَفَرَحٌ ، وَتُبَشِّرُهُ المَلاَئِكَةُ عِنْدَ المَوْتِ بِجَنَّةِ النَّعِيمِ .
فَرَوْحٌ - فَلَهُ اسْتِرَاحَةٌ أَوْ رَحْمَةٌ .
وَأَمَّا إِنْ كَانَ المُحْتَضَرُ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ .
فَتَقُولُ لَهُ المَلاَئِكَةُ: لاَ بَأْسَ عَلَيْكَ وَأَنْتَ سَالِمٌ ، أَنْتَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ .
وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الكَفَرَةِ المُكَذِّبِينَ بِاللهِ ، وَبِالكُتُبِ وَالرُّسُلِ ، وَبِالبَعْثِ وَالحِسَابِ .
فَيَكُونُ قِراهُ ، وَزَادُ الضِّيَافَةِ الذِي يَنْتَظِرُهُ ، مَاءً شَدِيدَ الحَرَارَةِ .
فَنُزُلٌ - فَلَهُ قِرىً وَضِيَافَةٌ .
وَيَدْخُلُ نَارَ جَهَنَّمَ لِيَصْلاَهَا فَتَغْمُرُهُ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ .
وَهَذَا هُوَ الخَبَرُ اليَقِينُ الحَقُّ الذِي لاَ شَكَّ فِيهِ .
وَبَعْدَ أَنِ اسْتَبَانَ الحَقُّ ، وَظَهَرَ اليَقِينُ ، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ ، وَنَزِّهْهُ عَمَّا لاَ يَلِيقُ بِجَنَابِهِ الكَرِيمِ .