فقد نقل البلاذري: أن عمر بن الخطاب كتب إلى سعد بن أبى وقاص يأمره أن يتخذ للمسلمين دار هجرة، وأن لا يجعل بينه وبينهم بحرا، فأتى الأنبار وأراد أن يتخذها منزلا، فكثر على الناس الذباب، فتحول إلى موضع آخر فلم يصلح، فتحول إلى الكوفة فاختطها وأقطع الناس المنازل، وأنزل القبائل منازلهم، وبنى مسجدها وذلك في سنة سبع عشرة ،وولى الاختطاط للناس أبا الهياج الأسدي عمرو بن مالك بن جنادة. [1] .
رابعًا: النشاط العلمي عمومًا والحديثي خصوصًا بالكوفة:
هناك عدة عوامل وأسباب ساعدت على جعل الكوفة مركزًا علميًا ومشعلًا حضاريًا في كافة فروع العلم ، ومن ذلك علم الحديث مما جعلها محط رحال العلماء والمحدثين وقبلة طلاب الأسانيد والآثار ، فمن هذه العوامل:
1-العناية الكبيرة التي حظيت بها هذه المدينة من قبل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حيث أمر سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - بمتصيرها - كما تقدم - وكان يعلي من شأن أهلها ويعرف لهم قدرهم فعن الشعبي قال: كتب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى أهل الكوفة إلى رأس أهل الإسلام [2] ، ويقول الكوفة وجوه الناس [3] ، وكذلك قام بإرسال جمع من الصحابة - رضي الله عنهم - إلى هذه المدينة لتعليم المسلمين ونشر العلم وكان على رأسهم عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر - رضي الله عنهم - وكتب عُمَر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى أهل الكوفة (إني قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرًا و عبد الله بن مسعود معلما و وزيرًا و هما من النجباء من أصحاب محمد من أهل بدر فاسمعوا و قد جعلت ابن مسعود على بيت مالكم فاسمعوا فتعلموا منهما و اقتدوا بهما و قد آثرتكم بعبد الله على نفسي) [4] .
(1) فتوح البلدان - (2 / 338) .
(2) الطبقات الكبرى لابن سعد - (6 / 5) .
(3) المرجع السابق .
(4) الحاكم في المستدرك - (3 / 438) وقال صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه ووافقه الذهبي. .