الحمد لله الذي رفع بعض خلقه على بعض درجات، وميز بين الخبيث والطيب بالدلائل المحكمات، وتفرد بالملك فإليه منتهى الطلبات والرغبات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الأسماء الحسنى والصفات، الحكم العدل، فلا يظلم مثقال ذرة، ولا يخفى عنه مقدار ذلك في الأرض والسموات.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بالآيات البينات، والحجج النيرات، الآمر بتنزيل الناس ما يليق بهم من المنازل والمقامات، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه السادة الأنجاب الكرماء الثقات [1] ،أما بعد:
فإن من أصعب الأمور وأشدها أن تحكم على تراث جيل من الأجيال وتقومه وتبين خصائصه، فهذه مهمة تحتاج إلى استقراء تام ، وطول باع في العلم ، واطلاع واسع ، وبالنسبة لي فدون ذلك خرط القتاد !! ، ولكن لما كان لابد من سلوك هذا المهيع ، وخوض غماره [2] ، استعنت بالله فجمعت - حسب قدرتي - ما تيسر من المراجع حول هذا الموضوع ، فخرجت بهذه الإشارات الوجيزة ، والعبارات اليسيرة ، التي تناولت مدرسة الحديث بالكوفة [3] .
وقد قسمت هذا العمل إلى ستة مباحث ، وهي كالتالي:
المبحث الأول: نشأة مدرسة الحديث بالكوفة.
المبحث الثاني: خصائص مدرسة الحديث بالكوفة.
المبحث الثالث: أشهر اصطلاحاتها.
المبحث الرابع: أشهر المحدثين بالكوفة.
المبحث الخامس: أشهر أسانيدها.
المبحث السادس: أشهر مؤلفاتها.
فهذه بضاعة مزجاة ،أعرضها عليكم ، لكم غنمها وعلي غرمها ، تطفلت فيه على موائد أهل الحديث ، ولسان حالي يقول:
أسيرخلف ركاب النجب ذا عرج ... مؤملًا كشف ما لا قيت من عوج.
فإن لحقت بهم من بعد ما سبقوا ... فكم لرب الورى في ذاك من فرج.
وإن بقيت بظهر الأرض منقطعًا ... فما على عرج في ذاك من حرج.
(1) مقدمة تقريب التهذيب (ص13) باختصار.
(2) حيث طلب مني كبحث جامعي .
(3) أخذ هذا العنوان كرسالة دكتوراة .