لقد أمر الله تعالى بالاستعاذة من شر الحاسد، في قوله: (( و من شر حاسد إذا حسد ) ) (الفلق:5) ، و هذا دليل على أن له شر و فيه ضرر، و لا يتحصن منه إلا بالاستعاذة بالله تعالى حيث إن الحسد من أعظم الأمراض الفتاكة بالمجتمع، فهو يجبر صاحبه على أصعب الأمور، و يبعده عن التقوى، فيضيق صدر الحسود، و يتفطر قلبه إذا رأى نعمة الله على أخيه المسلم، و لقد كثر الحسد بين الأقران و الإخوان و الجيران، و كان من آثار ذلك التقاطع و التهاجر،و البغضاء والعداوة، فأصبح كل من الأخوين أو المتجاورين يتتبع العثرات، و يفشي أسرار أخيه، و يحرص على الإضرار به، و الوشاية به عند من يضره أو يكيد له، و لا شك أن ذلك من أعظم المفاسد في المجتمعات الإسلامية، فإن الواجب على المسلمين أن يتحابوا و يتقاربوا و يتعاونوا على الخير و البر و التقوى، و أن يكونوا يدًا واحدة على أعدائهم من الكفار و المنافقين، فمتى أوقع الشيطان بينهم العداوة و البغضاء، و تمكنت من قلوبهم الأحقاد والضغائن، حصل التفرق و التقاطع، و صار كل فرد يلتمس من أخيه عثرة أو ذلة فيفشيها، و يعيبه بها، و يكتم ما فيه من الخير، و يسيء سمعته، و يجعل من الحبة قبة، و يقوم الثاني بمثل ذلك و كل منهما يوهم أن الصواب معه، و أن صاحبه بعيد عن الصواب، ثم إن كلا منهما يحرص على الإضرار بالآخر و يعمل على حرمانه من الخير، فيصرف عنه المنفعة العاجلة و يحول بينه و بين المصالح المطلوبة، من فائدة مالية، أو حرفة أو أرباح أو معاملات مفيدة، و نحو ذلك، و لا شك أن هذا يضر المجتمعات و يقضي على المصالح، و يتمكن الأعداء من المنافع و من استغلال الفوائد، و بتمكنهم يضعف المسلمون المخلصون، و لا ينالون مطلوبهم من ولاية أو رئاسة، أو شرف أو منفعة، و سبب ذلك هذه المنافسات التي تمكنت من النفوس، حتى حرموا إخوانهم و أنفسهم من الخير، و سلطوا عليهم أعداءهم.