وهي محاولة محكوم عليها بالانتهاء والدمار، كالمحاولات الأخرى التي سبقتها، ولن تجدي هؤلاء الدعاة الجدد نفعًا لأنها لا تقوم عندهم من منطلق أمين أو من منطلق غيرة على هذه الأمة أو رغبة في السمو بها ولكن من منطلق حقد وكراهية وهزيمة والمهزوم يعمل دائمًا على كسب المهزومين إلى صفة ليحس بأنه ليس منبوذًا، ولقد كان دعاة الشعوبية والباطنية مهزومين منعزلين، شأنهم شأن أبي نواس وبشار في القديم حيث كان يتحاشاهم الناس، وإذا كان قد أتيح لهم عن طريق"أحد غلمان التعريب والشعوبية"أن يذيع لهم فكرهم على هذا النطاق الواسع فإنها ليست إلا صيحة مضللة قد أغمدت الأقلام الإسلامية فيها خناجرها.
إن (دعاة الحداثة) هؤلاء إنما يدعون إلى توهين السلطة المطلقة - وهي الدين - والنيل من السيد الأعظم (الله تبارك وتعالى، علا وجل عن كلماتهم المسمومة) ولن يتحقق يومًا أن تغلب الفئة الباطلة على النظام الرباني القائم في حكمه وقواعده وأي أصل من أصوله مهما تجمع لهذا دعاة الشعوبية والباطنية. ويرمي أدونيس إلى إلغاء كل قديم باعتبار أنه لاشيء في الوجود اسمه قديم ويهدف من ذلك الغاء فهمنا للقرآن الكريم وأنه كلام الله القديم.
والحرية عند الحداثيين هي التحلل من كل قيد ديني أو اجتماعي أو نظامي أو قانوني. وهم عندما يسمون الحداثة (الثورة المتجهة لتجاوز السلفية) يقصدون تجاوز قيم الدين والأخلاق، وحين يدعون إلى حرية اللغة يقصدون الخروج باللغة عن سياقها ومضمونها وتحررها من إطارها التاريخي والبلاغي المرتبط بالبيان العربي والقرآن الكريم.
ويؤرخ أدونيس للحداثة بالدعوات التي خرجت على الإسلام (المختار الثقفي والزنج والقرامطة) ، ويرى أنها قامت بالتحرر من الثبات، وكذلك دعوات الزنادقة (في الشعر) من الثبات، والإباحية ودعاة وحدة الوجود والحلول والاشراق.