تقبل الله من المسلمين حجَّهم، وأعانهم على أداء مناسكهم، وأصلح ذات بينهم، وجمع على الحق كلمتهم، ونصرهم على عدوه وعدوهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
لقد شرع الله الشعائر والعبادات لِحِكَمٍ عظيمة، ومصالح عديدة لا ليضيق بها على الناس، ولا ليجعل عليهم في الدين من حرج.
ولكل عبادة في الإسلام حِكَمٌ بالغة، يظهر بعضها بالنص عليها، أو بأدنى تدبُّر، وقد يخفى بعضها إلا على المتأملين الموفَّقين في الاستجلاء والاستنباط.
والحكمة الجامعة في العبادات: هي تزكية النفوس، وترويضها على الفضائل، وتطهيرها من النقائص، وتصفيتها من الكدُرات، وتحريرها من رقِّ الشهوات، وإعدادها للكمال الإنساني، وتقريبها للملأ الأعلى، وتلطيف كثافتها الحيوانية؛ لتكون رِقًَّا للإنسان، بدلًا من أن تَسْتَرِقَّهُ.
وفي كل فريضة من فرائض الإسلام امتحان لإيمان المسلم، وعقله، وإرادته.
هذا وإن للحج أسرارًا بديعة، وحكمًا متنوعة، وبركاتٍ متعددة، ومنافع مشهودة، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الأمة.
فمن أسرار الحج ومنافعه ما يلي:
1-تحقيق العبودية لله: فكمال المخلوق في تحقيق العبودية لربه، وكلما ازداد العبد تحقيقًا لها ازداد كمالُه، وعلت درجتُه.
وفي الحج يتجلى هذا المعنى غاية التجلي، ففي الحج تذلل لله، وخضوع وانكسار بين يديه؛ فالحاج يخرج من ملاذِّ الدنيا مهاجرًا إلى ربه، تاركًا ماله وأهله ووطنه، متجردًا من ثيابه، لابسًا إحرامه، حاسرًا عن رأسه، متواضعًا لربه، تاركًا الطيب والنساء، متنقلًا بين المشاعر بقلب خاشع، وعين دامعة، ولسان ذاكر يرجو رحمة ربه، ويخشى عذابه.
ثم إن شعار الحاج منذ إحرامه إلى حين رمي جمرة العقبة والحلْق: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك) .
ومعنى ذلك: أنني خاضع لك، منقاد لأمرك، مستعد لما حمَّلتني من الأمانات؛ طاعة لك، واستسلامًا دونما أكراه أو تردد.