الصفحة 29 من 37

إن مما يُؤسَف عليه أن بعض المسلمين جَرَّدوا هذه الأعياد من حِليتها الدينية، وعَطلّوها عن معانيها الروحية الفوارة التي كانت تفيض على النفوس بالبهجة، مع تَجَهُّم الأحداث، وبالبشر مع شدة الأحوال؛ فأصبح بعض المسلمين - وإن شئت فقل: كثير منهم - يَلْقَون أعيادهم بهمم فاترة، وحسٍّ بليد، وشعور بارد، وأسَرِّةٍ عابسة، حتى لكأنَّ العيد عملية تجارية تَتْبَعُ الخِصبَ والجَدَّ، وتتأثر بالعسر واليسر، والنَّفاق والكساد، لا صبغة روحيَّة تؤثِّر ولا تتأثَّر.

ولئن كان من حق العيد أن نَبْهَج به ونفرح، وكان من حقِّنا أن نتبادل به التهاني، ونطّرح الهموم، ونتهادى البشائر - فإن حقوقَ إخواننا المشردين المعذبين شرقًا وغربًا تتقاضى أن نحزن لمحنتهم ونغتم، ونُعْنَى بقضاياهم ونهتم؛ فالمجتمع السعيد الواعي هو ذلك الذي تسمو أخلاقه في العيد، إلى أرفع ذروة، ويمتد شعوره الإنساني إلى أبعد مدى، وذلك حين يبدو في العيد متماسكًا متعاونًا متراحمًا، حتى لَيَخْفِقُ فيه كل قلب بالحب، والبر، والرحمة، ويذكر فيه أبناؤه مصائب إخوانهم في الأقطار حين تنزل بهم الكوارث والنكبات.

ولا يراد من ذلك تَذْراف الدموع، ولبس ثياب الحداد في العيد، ولا يراد منه - أيضًا - أن يعتكف الإنسان المرزوء بفقد حبيب أو قريب، ولا أن يمتنع عن الطعام، كما يفعل الصائم.

وإنما يراد من ذلك أن تظهر أعيادُنا بمظهر الأمة الواعية، التي تلزم الاعتدال في سرَّائها وضرَّائها؛ فلا يَحُوْلُ احتفاؤها بالعيد دون الشعور بمصائبها التي يرزح تحتها فريقٌ من أبنائها.

ويراد من ذلك أن نقتصد في مرحنا وإنفاقنا؛ لنوفِّر من ذلك ما تحتاج إليه أمتنا في صراعها المرير الدامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت