وليس ذلك تميعًا وتساهلًا في الأمور بحجة المصالح والمفاسد كما قد يتصور من قل علمه ومن يسيء الظن بأهل العلم، فإننا نرى العلماء في المقابل يشددون في موضع التشديد كما نص أحمد وإسحاق على أن الداعية إلى البدع يقتل (1) ؛ وذلك لأن حفظ الدين أهم من حفظ النفس، والمفسدة في قتله أهون من مفسدة تخريب الدين كذلك قال العلماء بقتال جيش الكفار إذا تترسوا بمسلمين وإن أفضى إلى قتل المسلمين إن خيف على المسلمين الضرر إن لم يقاتلوا (2) ، كل ذلك حرصًا على حفظ الدين وإعزاز أهله، كذلك نهى العلماء عن أشياء لم يرد النهي عنها في النصوص سدًا للذرائع ودفعًا للمفاسد كالنهي عن النظر إلى الأمرد عند خوف التلذذ بذلك (3) وإلقاء السلام على الشابة (4) ، ومثل إلزام المرأة بعدم إبداء زينتها الخفية لمن كان من محارمها فيه شهوة وشغف (5) ونحو ذلك من الأحكام الكثيرة المعروفة التي لا تنفصل عن هذا الأصل العظيم وهو اعتبار المصالح والمفاسد في الفتاوى والأحكام، ويطول سرد الأمثلة إذا تتبعناها ولكن نكتفي في نهاية هذه الأمثلة بالتذكير بالقاعدة العامة في ذلك كما قال ابن تيمية رحمه الله في رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات، أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها. فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له فإن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأمورًا به، بل يكون محرمًا إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته (6) . اهـ.
كيف تقدر المصالح والمفاسد ومن يقدرها؟
أولًا: تقدير المصالح والمفاسد بالشرع لا بالهوى:
(1) انظر: جامع العلوم والحكم ص122، ط. دار المعرفة ـ بيروت.
(2) انظر: مجموع الفتاوى (28/475، 476، 499، 500، 546، 547) .
(3) انظر: مجموع الفتاوى (31/47) .
(4) انظر: شرح السنة للبغوي، تحقيق الأرناؤوط والشاويش (12/266، 267) ط. دار بدر ـ القاهرة.
(5) انظر: مجموع الفتاوى (15/373، 374، 21/251) .
(6) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص40، 41.