قال الرازي في تفسيره (26/285) : « اعلم أنّ الكفار أوردوا سؤالًا فقالوا: نحن لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد أنها آلهة تضر وتنفع وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص كانوا عند الله من المقربين، فنحن نعبدها لأجل أن يصير أولئك الأكابر شفعاء لنا عند الله فأجاب الله تعالى: { أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ } [الزمر 43] وتقرير الجواب:
أن هؤلاء الكفار: إما أن يطمعوا بتلك الشفاعة من هذه الأصنام أو من أولئك العلماء والزهاد الذين جعلت هذه الأصنام تماثيل لها.
والأول باطل: لأن هذه الجمادات وهي الأصنام لا تملك شيئًا ولا تعقل شيئًا، فكيف يعقل صدور الشفاعة منها؟
والثاني باطل: لأن في يوم القيامة لا يملك أحد شيئًا ولا يقدر أحد على الشفاعة إلا بإذن الله. فيكون الشفيع في الحقيقة هو الله الذي يأذن في تلك الشفاعة. فكان الاشتغال بعبادته أولى من الاشتغال بعبادة غيره » انتهى كلام الرازي رحمه الله.
بين قبر اليوم وصنم الأمس عند الرازي
وذكر الرازي كذلك أن المشركين « وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند الله تعالى.
قال: ونظيره في هذا الزمان: « اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقادهم أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون لهم شفعاء عند الله » [1] . انتهى كلامه وهو نفيسٌ جدًا. وصدور مثل هذا الكلام من رجل من عظماء الأشاعرة هو حجة عليهم، فهل يصير الرازي عندهم « وهابيًا » بعد هذا؟.
(1) التفسير الكبير للرازي 17/59-60 وقال القرطبي كلامًا مثل ذلك في تفسيره للآية (104) من سورة البقرة .