فإن المفوض يصرف اللفظ عن المعنى الراجح: ولكن لا إلى معنى، بينما المؤول يصرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى معنى مرجوح، فيتفقان في صرف اللفظ عن المعنى المتبادر. ويفترقان في أن أحدهما يعطيه معنى آخر محتملًا، والثاني يمنع عنه المعنى. ولكنهم في النهاية يلتقون عند نتيجة مشتركة: وهي: رفض وصف الله بما وصف به نفسه وتنزيهه عما وصف به نفسه.
ولهذا قيل إن التأويل والتفويض وجهان لعملة واحدة، فإنهما يلتقيان عند تعطيل معنى الصفة المرادة لله. ومن هنا ندرك سر الإذن به من قِبَل الأشاعرة والماتريدية. فنتائج التفويض مثل نتائج التأويل من حيث الجناية على النصوص وتعطيل معانيها.
لقد نظر جماعة من الأشاعرة إلى زجر السلف عن تأويلات الجهمية والمعتزلة، وعرفوا ما يُحدث التفويض عند أبناء المذهب من النفور من التأويل وعدم اطمئنان النفوس إليه، وخافوا من الارتداد عن المذهب فأوجدوا لهم بديلًا أسموه التفويض وزعموا أن السلف كانوا يمنعون حتى مجرد تفسير آيات الصفات.
وكل من هاتين الطائفتين تمتاز بصفة ذكرها الله في أهل الكتاب:
فالمؤولة { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ? } [النّساء 46] .
والمفوضة { لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاّ أَمَانِيّ? } [البقرة 78] ، أي إلا تلاوة للمعنى، لا يفهمونه ولا يتدبرونه. مع أن ثمرة التلاوة يجب أن تكون التفكر وتدبر المعاني.
وقد أراد المفوض التخلص من أذى التأويل - أعني التحريف - الذي يمرض القلوب فوقع في مرض آخر هو التفويض الذي حقيقته تجاهل معاني أسماء الله وصفاته والادعاء بأن الله أنزلها ولم يرد منا معرفة معناها فجهلها رسول الله وأصحابه وكان - صلى الله عليه وسلم - يحفظ أسماء مجردة عن المعاني.
اللجوء إلى مرض التفويض هربًا من مرض التأويل