ولهذا انتهى حال كثير من أئمتهم إلى الوقف والحيرة، كالجويني والرازي والغزالي، واعترفوا بخطأ الطريق التي سلكوها، وكان يسعهم ما وسع النبي والسلف، وأن يأخذوا الأمر ببساطة فيثبتوا ما أثبته الله لنفسه ويُحكموا ما تشابه عليهم ب { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ? } [الشّورى 11] .
? أن التفويض جاء ردة فعل عكسية ضد التأويل، وجاء كدليل على وقوع التردد والتململ النفسي والشعور بالذنب من التأويل المتعسف الذي ضاقت به الصدور ولم تطمئن إليه القلوب حتى قسَت به، وزادت به الشكوك، وقلَّ به الإيمان، ولم يرتفع به وهمُ التشبيه.
? أن المفوض إنما يجعل آيات الصفات بمنزلة فواتح السور (حم عسق ألم طسم) التي نقول عند قراءتها: الله أعلم بمرادها.. لكن الصفات كلمات عربية ذات معانٍ بخلاف هذه الحروف المجموعة التي لا تشكل كلمة عربية ذات مدلول ومعنى. ولا فائدة من تنزيل آيات مع استبقاء معانيها عند الله من غير تنزيل. فإن إصدار كلام بدون معنى مما ينزه عنه المخلوق، فالخالق أولى بهذا التنزيه من المخلوق.
? أنهم بذلك جهلوا السبب الذي أنزل الله لأجله هذه الصفات، فإن هذه الصفات سبب كل خير للعبد لأنه يتعرّف إلى ربه من خلالها، فمن ردّ معانيها فقد فاته الخير والعلم الذي أنزلها الله لأجله.
ولهذا قال ابن قتيبة: « ولم ينزل الله"شيئًا"من القرآن إلا لينفع به عباده، ويدل به على معنىً أراده » [مشكل القرآن 98 - 99] .
فطلب معاني هذه الصفات على طريقة أهل الإيمان لا أهل الإلحاد ينبت التقوى في القلب، ولهذا لما كان الراسخون في العلم أعلم بالله من غيرهم كانوا أكثر خشية، وأثنى الله عليهم فقال: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ? } [فاطر 28] .
أما هؤلاء المفوضة فإنهم يقولون: كلما جهلنا معاني الصفات كنا أكثر خشية لله.
فأي إيمان هذا؟ وهل الجهل علم يستحق الثناء؟ وهل يكون الجهل رسوخًا في العلم؟!!
الله يبتلينا هل نؤمن لا هل نعطل!