ثالث عشر: تحديد هدف الدراسة وهو الاقتداء والتأسي: من العبث اعتبار سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لمجرد التسلية ، وإبراز عظمة الرجال ؛ بل إن سيرته للناس ، وترجمة عمَلية لدين الله - عز وجل - وتصور للإسلام يتجسد في حياة صاحب الرسالة ، تطبيقًا للمبادئُ والقواعد والأحكام النظرية ؛ ولذا قال الزهري: (في علم المغازي علم الآخرة والأولى ) . لمّا وعى الصحابة وسلف الأمة هذا الغرض اكتسبت السيرة في حياتهم مكانة علمية تليق بها وبهم . قال على بن الحسين .: ( كنا نتعلم سيرة النبي كما نتعلم السورة من القرآن) لأنه لا غنى لم يريد الاقتداء به عن معرفة سيرته ، والاقتداء أساس الاهتداء: ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا ) ( الأحزاب: 21 ) . ولكن كيف نتعامل مع السيرة في هذه المرحلة المتغيرة ، وكيف يكون الاقتداء ؟ الواقع يتغير ، ووسائلنا في العمل وقراءة القيم لا تتغير ، والسيرة اتخذت لكل حالة ما يناسبها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر - حين أكرهه المشركون على سبالنبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير -:"إن عادوا فعد". آية التأسي نزلت في غزوة الأحزاب؛ لتبين أن تمام الاقتداء إنما يكون في شدة البأس والضيق وفوات الدنيا لمن تعلق بالآخرة ، فلا يكون الاقتداء في اليسر دون العسر ، ولا في الحاجيات والتحسينيات دون الضروريات من مقاصد الشريعة ، وليس المقصود التقليل من شأن الاقتداء في العادات ؛ فذلك مهم في صياغة الشخصية المتكاملة . نزلت آية الأحزاب وقد بلغت القلوب الحناجر ، وحين استنجد الصحابة بالرسول صلى الله عليه وسلم عندما واجهتهم الصخرة الكبيرة حاول تفتيتها بالمعول طبقًا للسنن الجارية مؤملًا النصر .