الصفحة 14 من 44

والله تعالى إذ ينادي المؤمن ويدعوه إلى الإنفاق والصدقة، فإنه يضمن له العوض، ويدخله في ضمان المتوكلين عليه، فعن أبي هريرة ا يبلغ به النبي × قال:"قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم! أنفق أنفق عليك. وقال: يمين الله ملأى سحاء، لا يغيضها شيء الليل والنهار" (1) .

وهذا من فضل الله على الناس، وإلا فالمال مال الله، وليتذكر المرء أن لو شاء الله لجعله فقيرًا لا غنيًا، وسائلًا لا مُعطيًا، فإذا تذكر ذلك فلينفق مما آتاه الله، ثم ليشكر الله أن جعل يده هي العليا ويد غيره هي السفلى، واليد العليا خير من اليد السفلى، والمال لا تنقصه الصدقة كما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ا، عن رسول الله × قال:"ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله" (2) .

وذكر الإمام النووي / عن العلماء في تفسير ذلك وجهين:

أحدهما: معناه أنه يبارك فيه ويدفع عنه المضرات، فينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية، قال /:"وهذا مدرك بالحس والعادة".

والثاني: أنه وإن نقصت صورته، كان في الثواب المرتب عليه جبر لنقصه، وزيادة إلى أضعاف كثيرة (3) .

وهذا من اهتمام النبي × بالدفع إلى الصدقة، وذلك لما فيها من إعتاق النفوس من الموت، وإنقاذها من لهيب الجوع وذل المسكنة، حتى كان لإخفائها أجر زائد استحق صاحبه أن يكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

ومن زيادة الحث على النفقة في الإسلام أن رسول الله × نهى المؤمن أن يحتقر الصدقة القليلة فيمتنع من بذلها حياء أو احتقارًا لها، فعن أبي هريرة ا أن رسول الله × كان يقول:

"يا نساء المسلمات! لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة" (4) والفرسن الظلف، قال الإمام أبو زكريا النووي /: (ومعناه: لا تمتنع جارة من الصدقة والهدية لجارتها لاستقلالها واحتقارها الموجود عندها، بل تجود بما تيسر وإن كان قليلًا كفرسن شاة، وهو خير من العدم، وقد قال الله تعالى: * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ(7) & [الزلزلة:7] ، وقال النبي ×:"اتقوا النار ولو بشق تمرة" (5 ) ) (6) .

(1) البخاري (4/1724) (4407) ، مسلم (2/690) (993) .

(2) مسلم (4/2001) (2588) .

(3) شرح مسلم (16/141) .

(4) البخاري (2/907، 5/2240) (2427، 5671) ، مسلم (2/714) (1030) .

(5) صحيح البخاري (2/514) (1351) ، صحيح مسلم (2/703) (1016) .

(6) شرح مسلم (7/120) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت