الصفحة 2 من 14

للدائن حق في ذمة المدين، ويتفرع عن حق الدين هذا، حق الدائن في مطالبة المدين، غير أنه إذا كان المدين معسرا، فإن الدائن يمنع من المطالبة باستيفاء الدين، فينتقل حق الدائن في المطالبة إلى وجوب الإمهال والانتظار حتى اليسار، إذ لا تستعمل الحقوق لمجرد الإضرار، أو للعبث، بل لمصلحة جدية شرع الحق من أجلها، منعا للتعسف في استعمال الحق .

ومعلوم أن استعمال الحق في المطالبة، إنما شرع وسيلة لاستيفاء الدين، لكن المدين معسر، فأصبح هذا الاستعمال خاليا من المصلحة، أي تعسفيًا، لأنه عبث، ولا مصلحة مشروعة جدية فيه، وهذا هو المعيار الثالث من معايير التعسف، وقد قرره ا لله تعالى بقوله: (وإن كان(1) ذو عسرة فنظرة (2) إلى ميسرة) (3) .

وإذا كان حق المطالبة وسيلة لاستيفاء الدين، فإن هذه الوسيلة تسقط مشروعيتها إذا لم تؤدّ إلى مقصودها، وهو استيفاء الدين للإعسار، وهو عدم القدرة على وفاء الدين، والقاعدة العامة المقررة في الفقه الإسلامي: ''أن الوسائل تسقط بسقوط مقاصدها'' .

لأنا أشرنا آنفا إلى أن الوسائل لم تشرع لذاتها، وإنما شرعت للتوسل بها إلى تحقيق مقصدها، فإذا تعذر تحقيق هذا المقصد سقطت الوسيلة، ومنع صاحبها من اتخاذها ابتداء لانتفاء المصلحة الجدية المشروعة التي شرع حق المطالبة من أجلها، وهذا وقاية لضرب من التعسف، كما علمت .

(1) : وإن كان، يعني: وإن وجد .

(2) : والنظرة، بفتح النون، وكسر الظاء، الإمهال، أي فالواجب على الدائن هو الانتظار والإمهال حتى اليسار .

(3) : الميسرة: بفتح الميم، وتسكين الياء، وفتح السين، هي اليسار - وهو ضد الإعسار .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت