فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 6013

الإستقامة امتثال كل مأمور واجتناب كل محذور فيدخل فيه أعمال القلوب والأبدان من الإيمان والإسلام والإحسان ، إذ لا تحصل الإستقامة مع شيء من الإعوجاج ، ولذا قالت الصوفية: ( الإستقامة خير من ألف كرامة ) ، أو تقول: ( آمنت بالله ) شامل للإتيان بكل الطاعات والإجتناب عن كل المنهيات ، وقوله: ( ثم استقم ) محمول على الثبات فيهما .

ولعظمة أمر الإستقامة قال عليه السلام: ( شيبتني سورة هود ) ، لأنه نزل فيها: 16 ( { فاستقم كما أمرت } ) ، وهي جامعة لجميع أنواع التكاليف . وقالت الصوفية: ( لأن الدعوة إلى الله مع كون المدعوّ على الصراط المستقيم أمر صعب لا يمكن إلا إذا كان الداعي على بصيرة يرى أنه يدعوه من اسم إلى اسم ) ، قال ابن عباس في قوله تعالى: 16 ( { فاستقم كما أمرت } ) [ هود 112 ] : ( ما نزل على رسول الله في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشق عليه من هذه الآية ) ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام لما قالوا له: قد أسرع إليك الشيب: ( شيبتني هود وأخواتها ) ، وقال الفخرالرازي: ( الإستقامة أمر صعب شديد لشمولها العقائد بأن يجتنب التشبيه والتعطيل ، والأعمال بأن يحترز عن التغيير والتبديل ، والأخلاق بأن يبعد عن طرفي الإفراط والتفريط ) ، وقال الغزالي: ( الإستقامة على الصراط فيس الدنيا صعب كالمرور على صراط جهنم ، وكل واحد منهما أدق من الشعر وأحد من السيف ) ا ه . ومما يؤيد صعوبة هذا المرقى خبر: ( استقيموا ولن تحصوا ) أي ولن تطيقوا أن تستقيموا حق الإستقامة ، ولكن اجتهدوا في الطاعة حق الإطاعة ، فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله . وفيه تنبيه نبيه على أن أحدًا لا يظن بنفسه الإستقامة ، ولا يتوهم أنه خرج بالكلية من صفة النفس اللوّامة فيقع في العجب والغرور اللذين هما أقبح من كل ما يترتب عليه الملامة ، نسأل الله السلامة . وقد يقال: السين لطلب القيام والثبات على الحالات والمقامات في جميع الساعات إلى الممات ، ثم قد يقال: الحكمة في عدم الإطاقة على دوام الإطاعة أن تراب الإنسان عجن بماء النسيان الناشىء عنه العصيان ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: ( كلكم خطاؤن وخير الخطائين التوّابون ) ؛ فجنس الإنسان كنوع النسوان التي خلقن من الضلع الأعوج ، فلا يتصوّر منهن الإستقامة على صفة الإدامة ، ( وكلٌ ميسرٌ لما خلق له ) ، ولا يزول طبع عما جبل عليه كما ورد في حديث الإشارة إليه هذا .

ولفظة ثم مستعارة للتراخي الرتبي ؛ لأن الإستقامة أفضل من قوله: ( آمنت بالله ) لشمولها العقائد والأعمال والأخلاق ذكره الزمخشري والإمام ، وهي لغة ضد الإعوجاج أي الإستواء في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت