يقبل إسلامه في الظاهر ، وذهب مالك إلى أنه لا تقبل توبة الزنديق ، وهو من يظهر الإسلام ويخفي الكفر ويعلم ذلك بأن يقرّ أو يُطلّع منه على كفر كان يخفيه ، فقيل: لا تقبل ويتحتم قتله ، لكنه إن صدق في توبته نفعه في الآخرة ، وقيل: يقبل منه مرة فقط ، وقيل: ما لم يكن تحت السيف ، وقيل: ما لم يكن داعية للضلال ، وقيل: ( معنى الحديث أن القتال والعصمة إنما هما في الأحكام الدنيوية ، وأما الأمور الأخروية من الثواب والعقاب وكميتها وكيفيتها فهو مفوّض إلى الله تعالى لا دخل لنا فيه ) ا ه . وقد يرجع إلى المعنى الأوّل فتأمل ، وقيل: معناه أن الحساب كالواجب في تحقق الوقوع ، وقيل: هو واجب شرعًا بحسب وعده تعالى به فيجب أن يقع لا أنه تعالى يجب عليه شيء فلا حجة فيه للمعتزلة في زعمهم وجوبه على الله تعالى عقلًا . ثم الحساب مصدر كالمحاسبة وهو العد ، قيل: ومعنى حسابهم على الله أن يعلمهم مالهم وما عليهم بأن يخلق العلم الضروري في قلوبهم بمقادير أعمالهم وبمالهم من الثواب والعقاب ، عن ابن عباس أنه قال: ( لا حساب على الخلق بل يقفون بين يدي الله ويُعطَوْن كتبهم بأيمانهم ، فيقال: قد تجاوزت عنها ، ثم يعطون حسناتهم . فيقال: قد ضعفتها لكم ) . فيكون مجازًا من باب إطلاق السبب على المسبب لأن الحساب سبب لحصول علم الإنسان بماله أو عليه ، أو أنه يجازيهم إذ الحساب سبب للأخذ والإعطاء ، قال تعالى: 16 ( { والله سريع الحساب } ) [ النور 39 ] ومعنى سرعته أن قدرته تعالى متعلقة بجميع الممكنات من غير أن يفتقر في إحداث شيء إلى فكر وروية ومدة وعدّة ، ولذا ورد أنه: ( يحاسب الخلق في مقدار حلبة شاة ، أو في لمحة ) ( متفق عليه ) أي اتفق البخاري ومسلم على رواية جميع الحديث المذكور ( إلا أن مسلمًا لم يذكر إلا بحق الإسلام ) لكنه مراد ورواه النسائي وابن ماجة من حديث جابر ، وهذا الحديث موافق لقوله تعالى: 16 ( { فإن تابوا } ) أي عن الكفر بإتيان الشهادتين 16 ( { وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } ) [ التوبة 5 ] وفي الجامع الصغير رواه الجماعة عن أبي هريرة ، وهو متواتر أي معنوي بلفظ: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله ) . وفي الجامع الكبير روى ابن جرير والطبراني في الأوسط عن أنس وحسنه بلفظ: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ) ، قيل: وما حقها ، قال: ( زنا بعد إحصان أو كفر بعد إسلام ، أو قتل نفس فيقتل بها ) ا ه .
ففي هذا الحديث دلالة ظاهرة على أن الإقرار شرط لصحة الإسلام وترتب الأحكام ، ورد بليغ على المرجئة في قولهم: أن الإيمان غير مفتقر إلى الأعمال ، ودليل على عدم تكفير أهل البدع من أهل القبلة المقرين بالتوحيد الملتزمين للشرائع .