يقبلوا فرضيتهما ، ثم قيل: أراد الخمسة التي بني الإسلام عليها وإنما خصتا بالذكر لأنهما أم العبادات البدنية والمالية وأساسهما والعنوان على غيرهما ، ولذا سمى ( الصلاة عماد الدين ) ( والزكاة قنطرة الإسلام ) وقرن بينهما في القرآن كثيرًا ، أو لكبر شأنهما على النفوس لتكررهما ، أو لم يكن الصوم والحج مفروضين حينئذ ، والمراد حتى يسلموا ويدل عليه رواية البخاري: ( حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به ) ولهذا حذفتا في رواية استغناء عنهما بالشهادتين لأنهما الأصل ، والتحقيق أن يقال: الشهادة إشارة إلى تخلية لوح القلب عن الشرك الجلي والخفي وسائر النقوش الفاسدة الردية ، ثم تحليته بالمعارف اليقينية والحكم الإلهية والإعتقادات الحقية ، وأحوال المعاد وما يتعلق بالأمور الغيبية والأحوال الأخروية ، لأن من أثبت ذات الله بجميع أسمائه وصفاته التي دل عليها اسم الله ، ونفي غيره وصدق رسالة النبي بنعت الصدق والأمانة فقد وفى بعهدة عهده ، وبذل نهاية جهده في بداية جهده ، وآمن بجميع ما وجب من الكتب والرسل والمعاد ، ولذا لم يتعرض لإعداد سائر الأعداد ، وإقامة الصلاة إرشاد إلى ترك الراحات البدنية وإتعاب الآلات الجسدية وهي أم العبادات التي إذا وجدت لم يتأخر عنها البواقي ، ولذا استغنى عن عدها وترك السيآت ، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وإيتاء الزكاة هو الإعراض عن الفضول المالية بل عن كل موجود وهمي بالموجود الحقيقي ، وبذل المال الذي هو شقيق الروح لإستفتاح أبواب الفتوح واللام فيهما للعهد ، أو للجنس فينصرف إلى الكامل كقولهم: هو الرجل كأن ما عدا صلاة المسلمين وزكاتهم ليس صلاة ولا زكاة . ( فإذا فعلوا ذلك ) أي المذكور من الشهادتين والصلاة والزكاة ، ويسمى القول فعلًا لأنه عمل اللسان ، أو تغليبًا . ( عصموا ) بفتح الصاد أي حفظوا أو منعوا ( مني ) أي من أتباعي ، أو من قبلي وجهة ديني ( دماءهم وأموالهم ) أي استباحتهم بالسفك والنهب المفهوم من المقاتلة ( إلا بحق الإسلام ) أي دينه ، والإضافة لامية ، والإستثناء مفرغ من أعم عام الجار والمجرور أي إذا فعلوا ذلك لا يجوز إهدار دمائهم واستباحة أموالهم بسبب من الأسباب إلا بحق الإسلام من استيفاء قصاص نفس أو طرف إذا قتل أو قطع ومن أخذ مال إذا غصب إلى غير ذلك من الحقوق الإسلامية ؛ كقتل لنحو زنا محصن وقطع لنحو سرقة وتغريم مال لنحو إتلاف مال الغير المحترم . وقال ابن مالك: الإستثناء من الدماء والأموال بحذف موصوف أي إلا دماء أو أموالًا ملتبسة بحق ( وحسابهم ) أي فيما يسترون من الكفر والمعاصي بعد ذلك ( على الله ) والجملة مستأنفة ، أو معطوفة على جزاء الشرط ، والمعنى: أنّا نحكم بظاهر الحال والإيمان القولي ونرفع عنهم ما على الكفار ، ونؤاخذهم بحقوق الإسلام بحسب ما يقتضيه ظاهر حالهم لا أنهم مخلصون ، والله يتولى حسابهم فيثيب المخلص ويعاقب المنافق ، ويجازي المصرَّ بفسقه أو يعفو عنه ، وفيه دليل على أن من أظهر الإسلام وأبطن الكفر