بخلاف ما سبق فإنه واجب لا يجوز تركه ، أو إشعارًا بأن ما يوجب الأجرين مختصًا بالأمة من جملة ما ذكر فيها من الأمور الأربعة هو الإعتاق والتزوّج ، فلذا ذكر عقيبهما ( فله أجران ) بخلاف التأديب والتعليم فإنهما موجبان للأجر في الأجنبي والأولاد وجميع الناس فلا يكون مختصًا بالإماء ، ومن ثمة اتجه سياق الشعبي لهذا الحديث ردًا على من قال: ( إن المتزوّج لعتيقته كالراكب لبدنته ) أي فلا أجر له وكان هذا هو الحامل لهم على ما مر من تفسيرهم الأجرين بواحد على العتق وآخر على التزوّج لأنه يصير محسنًا إليها إحسانًا أعظم بعد إحسان أعظم بالعتق لأن الأول فيه تخليص من قهر الرق وأسره ، والثاني فيه الترقي إلى إلحاق المقهور بقاهره ، قال تعالى في الزوجات: 16 ( { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } ) [ البقرة 228 ] قال الكرماني: ( فإن قلت ما العلة في تخصيص هؤلاء الثلاثة والحال أن غيرهم أيضًا كذلك مثل من صلى وصام فإن للصلاة أجرًا وللصوم أجرًا وكذا مثل الولد إذا أدى حق الله وحق والده ؟ قلت: الفرق بين هذه الثلاثة وغيرهم أن الفاعل من كل منهم جامع بين أمرين بينهما مخالفة عظيمة كان الفاعل لهما فاعل للضدين ) ا ه .
وفيه أن هذه الضدية بعينها موجودة في حق الله تعالى وحق الوالد ، فالأحسن أن يقال [ المراد ] هذه الأشياء وأمثالها [ و ] ليس المقصود بذكرها نفي ما عداها على ما عليه الجمهور ، ولذا قال المهلب: ( في الحديث دليل على أن من أحسن في معنيين من أي فعل كان من أفعال البركان له أجره مرتين ) ، وقال السيد جمال الدين: ( يمكن أن يقال إن هذه الطوائف الثلاثة لكل منها أجران بسبب عمل واحد بشرط مقارنة عمل آخر ، فالذي آمن من أهل الكتاب وآمن بمحمد له أجران بسبب الإيمان بنبينا ، لكن بشرط الإيمان بنبيه ، والعبد المملوك له أجران بسبب أداء حق الله لكن بشرط أداء حق مولاه تأمل ) ا ه . وأنت إذا تأملت ظهر لك أن المقارنة ليست بشرط أصلًا ، وأن الأجرين إنما هو في مقابلة الإيمانين وأداء الحقين ، فالوجه ما قدمناه . ويمكن أن يقال: لما كان يتوهم من نسخ الأديان المتقدمة أن لا ثواب لأصحابها مطلقًا دفعه بهذا القول ، وكذا المشهور عند العامة أن ثواب عبادة المملوك للمالك فلذا خصه بالذكر ، وربما كان يقال: إن إعتاق الجارية وتزوّجها لغرض نفسه وهو طبعه فلا يكون فيهما أجر فرفعه وبالغ فيه وقال: له أجران ، أو يقال: لما كان كل واحد من هؤلاء المذكورين في زمان الجاهلية ممتنعًا من العمل الثاني فخصهم بالذكر وحضهم على الفعل بقوله: ( لهم أجران ) والله أعلم . قيل: وإنما لم يضم مع هؤلاء الثلاث أمهات المؤمنين مع أن لهن الأجر مرتين لأن ذلك خاص بهن وما هنا عام . ( متفق عليه ) قال السيوطي في الجامع الصغير: رواه الشيخان وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة بلفظ: ( ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين ، رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي فآمن به وأتبعه وصدقه فله أجران ، وعبد مملوك أدى حق الله وحق سيده فله أجران ، ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها ، ثم أدبها فأحسن تأديبها ، وعلمها فأحسن تعليمها ، ثم أعتقها وتزوّجها فله أجران ) .