فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 6013

بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك ، فقال عمر: فإنك الآن [ والله ] أحب إليّ من نفسي ، فقال: الآن يا عمر [ تم إيمانك ] ) رواه البخاري ، وهو يحتمل احتمالين أحدهما: أنه فهم أوّلًا أن المراد به الحب الطبيعي ، ثم علم أن المراد الحب الإيماني والعقلي فأظهر بما أضمر ، وثانيهما: أنه أوصله الله تعالى إلى مقام الأتم ببركة توجهه عليه الصلاة والسلام فطبع في قلبه حبه حتى صار كأنه حياته ولبه ، ولهذا قيل: فهذه المحبة منه رضي الله عنه ليست اعتقاد الأعظمية فحسب لأنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعًا ، بل أمر يترتب على ذلك به يفنى المتحلي به عن حظ نفسه ، وتصير خالية عن غير محبوبه ، قال القرطبي: وكل من صح إيمانه به عليه الصلاة والسلام لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة ، وإن استغرق بالشهوات وحجب بالغفلات في أكثر الأوقات ، بدليل أنّا نرى أكثرهم إذا ذكر اشتاق إلى رؤيته وآثرها على أهله وماله وولده ووالده ، وأوقع نفسه في المهالك والمخاوف مع وجدانه من نفسه الطمأنينة بذلك وجدانًا لا تردد فيه ، وشاهد ذلك في الخارج إيثار كثيرين لزيارة قبره الشريف ورؤية مواضع آثاره على جميع ما ذكر لما وقر في قلوبهم من محبته ، غير أن قلوبهم لما توالت غفلاتها وكثرت شهواتها كانت في أكثر أوقاتها مشتغلة بلهوها ، ذاهلة عما ينفعها ، ومع ذلك هم في بركة ذلك النوع من المحبة فيرجى لهم كل خير إن شاء الله تعالى ، ولا شك أن حظ الصحابة رضي الله عنهم من هذا المعنى أتم ، لأنه ثمرة المعرفة وهم بقدره ومنزلته أعلم ، وقال النووي: ( في الحديث تلميح إلى صفة النفس المطمئنة والأمارة ؛ فمن رجح جانب نفسه المطمئنة كان حبه عليه الصلاة والسلام راجحًا ، ومن رجح جانب نفسه الأمارة كان بالعكس ) ا ه . واللوّامة حالة بينهما مترتبة عليهما ولذا لم يذكرها معهما ( متفق عليه ) ورواه أحمد والنسائي وابن ماجة ، قال النووي: مذهب أهل الحق من السلف والخلف أن من مات موحدًا دخل الجنة قطعًا على كل حال ، فإن كان سالمًا عن المعاصي كالصغير والمجنون الذي اتصل جنونه بالبلوغ ، والتائب توبة صحيحة من الشرك أو غيره من المعاصي إذا لم يحدث بعد توبته ، والموفق الذي ما لمّ بمعصية قط ، فكل هذا الصنف يدخلون الجنة ولا يدخلون النار أصلًا لكنهم يردونها على الخلاف في الورود ، والصحيح أن المراد به المرور على الصراط ، وهو جسر منصوب على ظهر جهنم نعوذ بالله منها ، وأما من كانت له معصية كبيرة ومات من غير توبة فهو في مشيئة الله تعالى ؛ إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة ، وإن شاء عذبه بالقدر الذي يريده سبحانه ، ثم يدخل الجنة فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من المعاصي ما عمل ، كما لا يدخل الجنة من مات على الكفر ولو عمل ما عمل من أعمال البر ، وهذا هو المذهب الذي تظاهرت عليه أدلة الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به بحيث حصل العلم القطعي ، فإن خالفه ظاهر حديث وجب تأويله جمعًا بين الأدلة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت