فإن قلت: فقد قال تعالى: [ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] [1] ،
وقد فُسِّر الاعتداء بالجهر في الدعاء، قلت: الجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن الراجح في تفسيره، أنه تجاوز المأمور به، و [2] اختراع دعوة لا أصل لها في الشرع.
الثاني: على تقدير التسليم، فالآية في الدعاء، لافي الذكر، والدعاء بخصوصه، الأفضل فيه الإسرار؛ لأنه أقرب إلى الإجابة ولذا قال تعالى: [إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا] [3] .
قلت: ومع هذا، فليست الأفضلية على إطلاقها، فقد يكون رفع الصوت في الدعاء أفضل عند الحاجة، لِما في كتاب ابن السني عن أبي برزة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح قال الراوي: لا أعلم إلاّ في سفر، رفع صوته؛ حتى يسمع أصحابه: اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة مري، الحديث بطوله، كذا في الأذكار، وله شواهد ومتابعات قوية، ساقها الحافظ ابن حجر في تخريج الأذكار، والله أعلم.
ثم قال السيوطي: فإن قلت: فقد نُقل عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه رأى قومًا يُهللون برفع الصوت في المسجد فقال: ما أراكم إلا مبتدعين حتى أخرجهم من المسجد.
قلت هذا الأثر عن ابن مسعود يحتاج إلى بيان سنده، ومَن أخرجه من الأئمة الحفاظ، وعلى تقدير ثبوته فهو معارض بالأحاديث الكثيرة الثابتة المتقدمة، وهي مقدمة عليه عند التعارض، ثم رأيت ما يقتضي إنكار ذلك عن ابن مسعود، قال الإمام أحمد بن حنبل في كتاب الزهد: حدثنا حسين بن محمد قال: حدثنا
(1) الأعراف 55
(2) في الحاوي 1/ 380 / ش: أو اختراع
(3) مريم 3