الصفحة 7 من 343

وَقَدْ أورد الغزي كلمة جامعة في بيان أخلاقه، فَقَالَ: وَكَانَ صاحب الترجمة مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ من الاجتهاد في العِلْم؛ اشتغالًا واستعمالًا وإفتاءً وتصنيفًا، ومع مَا كَانَ عَلَيْهِ من مباشرة القضاء ومهمات الأمور، وكثرة إقبال الدنيا، لا يكاد يفتر عَنْ الطاعة ليلًا ونهارًا، ولا يشتغل بما لا يعنيه، وقورًا مهيبًا مؤانسًا ملاطفًا، يُصَلِّي النوافل من قيام، مَعَ كبر سنه، وبلوغه مئة سنة وأكثر، ويقول: لا أعوّد نفسي الكسل. حَتَّى في حال مرضه كَانَ يُصَلِّي النوافل قائمًا، وَهُوَ يميل يمينًا وشمالًا، لا يتمالك أن يقف بغير ميل للكبر والمرض، فقيل لَهُ في ذَلِكَ، فَقَالَ: يا ولدي، النفس من شأنها الكسل، وأخاف أن تغلبني وأختم عمري بِذَلِكَ.

وَكَانَ إذا أطال عَلَيْهِ أحد في الكلام يَقُول لَهُ: عجِّل قَدْ ضيَّعتَ عَلَيْنَا الزمان وَكَانَ إذا أصلح القارئ بَيْن يديه كلمة في الكِتَاب الذي يقرأ ونحوه، يشتغل بالذكر بصوت خفي قائلًا: الله الله، لا يفتر عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يفرغ، وَكَانَ قليل الأكل لا يزيد عَلَى ثلث رغيف، ولا يأكل إلا من خبز خانقاه سعيد السعداء، ويقول: إنما أخص خبزها بالأكل لأن صاحبها كَانَ من الملوك الصالحين.

سادسًا: وفاته:

بَعْدَ عُمر بَلَغَ أو جاز بقليل المائة عام، كَانَتْ مملوءة بالعلم والتعليم، والتربية والإرشاد، اختار الباري - عزَّ وجل - الْقَاضِي زكريا الأنصاري إلى جواره الكريم، بَعْدَ أن ابتلي بفقد نعمة البصر.

وَقَدْ حصل خُلْفٌ بين المؤرخين في تحديد سنة وفاته، بَعْدَ أن اتفقت كلمة جمهورهم عَلَى تحديد اليوم والشهر، وَهُوَ الرابع من ذي الحجة.

فالجمهور عَلَى أن وفاته كَانَتْ سنة 926 ه‍، في حين ذهب العيدروسي [1] . وتابعه ابن العماد الحنبلي [2] ، إلى أنها كَانَتْ سنة 925 ه‍.

(1) تاريخ النور السافر ـ ص 111

(2) شذرات الذهب في أخبار من ذهب 8/ 134

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت