قال بعض الأطباء: الحكمة في الغُنج أنْ يأخذَ السمعُ حظَّه من الجِماع؛ فيسهل خروج الماء من جارحة السمع، فإنّ الماء يخرج من تحت كل جزء من البدن، ولهذا ورد: تحت كل شَعَرَة جنابة، وكل جزء له نصيب من اللذة، فنصيب العينين النظر، ونصيب المنخرين النخير، وشم الطيب، ولهذا شُرِع التطيّب للجِماع، ونصيب الشفتين التقبيل، ونصيب اللسان الرشف والمصّ، ونصيب السِّن العَضّ، ولهذا ورد في الحديث (هلاّ بكرًا تعضّها وتعضّك) ، ونصيب الذَّكَر الإيلاج، ونصيب اليدين اللمس، ونصيب الفخذين، وبقية أسافل البدن المماسة، ونصيب سائر أعالي البدن الضم والمُعانقة، ولم يبق إلاّ حاسة السمع، فنصيبها سماع الغنج.
قال الوداعي في تذكرته: ومن أمثال العامة إيش ينفع الغنج في أذن الأطروش، ومن أمثالهم: اغنجي رويدا، زوجكي أطروش.
/ وقال صاحب مرشد اللبيب إلى مُعاشرة الحبيب: الغنج هو الترفق والتذلل 6 أ والذبول، وتفتير العيون، وتمريض الجفون، وإرخاء المفاصل من غير سكون حركة، والتململ من غير انزعاج، والتوجع من غير ألم، وترخيم الكلام عند مخاطبة الرجل بما يحب، وتارة يتألّم منه، وتارة يستلذّ به بأشجى صوتها، ولين نغمتها، قال الشاعر [1] :
(1) جاء في مصارع العشاق / الموسوعة الشعرية: أنّّ أعرابيا من عذرة يكنى أبا المعرج قال: نزل أعرابي من بني أسد بأعرابية من طي في يوم صائف، فأتته بقرىً حاضر وماء بارد، فنظر إليها، ففتنته بنظرها من وراء البرقع، فراودها عن نفسها، فقالت: يا هذا! أما يقذعك الإسلام والكرم؟ كل وقل، وإن أردت غير ذلك فارتحل، فأنشأ الأسدي يقول:
تَقولُ لي عمرَةُ قوْلَ المُبتَعِلْ: للضّيفِ حَقّ يا فتَى فكُلْ وَقِلْ
فعِندنَا ما شِئتَ من بَرْدٍ وَظِلٍّ، أمّتتتا الذي تَطلبُهُ، فَلا يَحِلْ
يَمنَعُ مِنهُ الدِّينُ وَالعِرْقُ الأصُلْ قال: وعلقها، فقال: فزوجيني نفسك. فقالت: شأنك وأوليائي فأتاهم، فخاف أن لا
يزوجوه للعداوة التي بينهم، فانتسب عذريًا، فزوجوه، فأقام معها زمانًا ثم علم به أهلها، فقالوا: يا هذا والله إنك لكفؤ كريم، ولكنا نكره أن تنكح منا وأنت حربنا، فخل عن صاحبتنا، وقد كان تزايد وجده بها لما رأى من موافقتها وحسنها، وكانت تهالكه عند الجماع، فطلقها وقال:
أحِبّكِ يا عمَرَ حُبّ المُسِرّ، لِطُولِ الحَياةِ وَأمنِ الغِيَرْ
وَيُعجِبُني مِنكِ عِندَ الجِما عِ حياةُ الكلامِ وَموْتُ النّظرْ
وَهَجرُكِ يَرْمِينَ بالمُنكرَاتِ أغالِيظَ ذو السَّكَرِ المُبتَهِرْ
وَذو أشَرٍ بَارِدٍ طَعمُهُ، وَرَابي المَجَسّةِ سُخنِ القَعَرْ