الصفحة 41 من 44

الأرض، كما قال حسان بن ثابت في قصيدة له، في بيت منها، يُقال إنه أفخر بيت قاله الشعراء:

في يوم بدر إذ نرد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد

فلو كان الخضر حيا لكان وقوفه تحت هذه الراية أشرف مقاماته، وأعظم غزواته.

فإن قلت: لا نسلِّم لك عدم حضوره في هذه الأماكن، بل كان حاضرا، ولكن لم يكن أحدٌ يراه.

قلت: الأصل عدم هذا الاحتمال البعيد، الذي يلزم منه تخصيص العمومات بمجرد التوهمات، ولو كان حاضرا ما هو الحامل له على هذا الاختفاء، وكان ظهوره أعظم لأجره، وأعلى في مرتبته، وأظهر لمعجزته، وأيضا ما الحامل له على اختفائه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والمسلمين، ثم يظهر ويَبين لطائفة من العباد ويأتيهم ويسألهم، فيعرفهم ويعرفونه، على زعمهم.

ويُقال أيضا لو كان الخضر باقيا بعد النبي صلى الله عليه وسلم لكان تبليغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأحاديث النبوية، والإنكار على مَن كذب في حديثه، أو وضع عليه حديثا، وإنكاره على أهل البدع، وردّ ضلالاتهم، وتسفيه مقالاتهم، وقتاله مع المسلمين، واستسقاؤه لهم / الغيث، 33 أ وشهوده جمعهم وجماعاتهم، ونفعه إياهم بكل ما يقدر عليه، ودفعه عنهم الضرر الواصل إليهم من غيرهم، وتسديده لعلمائهم، وتقريره الأدلة والأحكام، وأخذه على أيدي الظلمة في ظلمهم، وزجرهم عما يرتكبونه من المصائب، وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر وأمثال ذلك، أفضل من كونه مختبئا بين الناس في الأمصار والأعصار، وأفضل من ركوبه الفيافي والأقطار، وأفضل من اجتماعه بأناسٍ الله أعلم بهم، ويجعل كالنقيب المترجم عليهم.

وهذا الذي ذكرناه لا يتوقف فيه ذو فهم سليم، وقد ذكرت هذا وأنا على خطر عظيم، وفوق كل ذي علم عليم، والله يهدي مَن يشاء إلى سراط مستقيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت