قلنا: الفرق واضح باعتبار أنّ المرسل وما عضده جازم بحكم في واقعه، بخلاف الأحاديث المستدل بها على حياته، فإنها لم تكن جازمة بحياته، والدلالة منها ناشئة عن ظن واجتهاد، ومطروقة بالاحتمال.
والأحاديث الدالة على بقائه إلى هذه الأمة عِدَّة:
أحدها: حديث التعزية، وقد تقدم ما فيه.
وثانيها: ما روى ابن عدي في الكامل من طريق عبد الله بن نافع عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في المسجد، فسمع كلاما من ورائه، فإذا هو بقائل يقول: اللهم أعِنِّي على ما يُنجيني مما خوَّفتني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع ذلك: ألا تضمّ إليها أختها، فقال الرجل: اللهم ارزقني شوق الصالحين إلى ما شوَّفتهم إليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأنس بن مالك: اذهب يا أنس إليه فقل له يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: تستغفر لي، فجاءه أنس، فبلغه / فقال الرجل: يا أنس! أنت رسول رسول الله صلى الله 16 ب عليه وسلم إليَّ، فارجع فاستثبته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قل له نعم، فقال له اذهب فقل له: إنّ الله فضلك على الأنبياء مثل ما فضل شهر رمضان على الشهور، وفضّل أمتك على الأمم، مثل ما فضّل يوم الجمعة على سائر الأيام، فذهب ينظر إليه، فإذا هو الخضر.
هكذا أورده ابن عدي، وهو حديث ضعيف، فإنّ كثير بن عبد الله واهي الحديث، قال أحمد: منكر الحديث، ليس بشيء، وقال أبو داود: كان أحد الكذابين، وقال الشافعي: كان أحد الكذابين، وأحد أركان الكذب، وقال النسائي والدار قطني: متروك، وقال ابن حبان: روى عن أبيه عن جده نُسخة موضوعة لا يحل ذكرها، ولا الرواية عنه إلاّ على جهة التعجب.
وجاء من غير هذا الطريق أخرجه أبو الحسين بن المنادي، وأبو القاسم بن عساكر من طريق محمد بن سلام المنبجي، عن الوضاح بن عباد الكوفي، قال: حدثنا عاصم بن سليم الأحول، قال: حدثني أنس بن مالك قال: خرجت ليلة من الليالي أحمل مع النبي صلى الله عليه وسلم الطهور، فسمع مناديا يُنادي، فقال