... فإني نظرت في علم العربية ، ووقفت على دقائقه وحقائقه ، وراجعت كتب العلماء وتصانيفهم ، فوجدتها مشتملة على أبيات من الشِّعر مُصعبة المباني ، مُغمضة المعاني ، قد ألغز قائلها إعرابها ، ودفن في غامض الصنعة صوابها ، وهي في الظاهر فاسدة قبيحة ، وفي الباطن جيدة صحيحة ، وقد كان العلماء المتقدمون كالأصمعي وغيره يتساءلون عنها ، ويتماحنون بها ، أردت أن أجمع منها ما تيسر ؛ لأوضِّح مشكله ، وأبين مجمله ، مشيرا إلى موضع النكتة منه ، غير مشتغل بإيراد النظائر والأمثال ، فيفضي إلى الضجر والملال ؛ ليكون ذلك داعيا إلى النظر فيه ، وأنسًا لحفاظه ومتأمليه ، وأقدم على ذلك الكلام إعراب حديث عنه صلى الله عليه وسلم ؛ لتكثر فائدته وتعظُم ، وجعلته برسم الخزانة المولوية السلطانية الملكية الكاملة ، أدام الله مُلك مالكها ، إذ كان الله سبحانه وتعالى قد خصّه من العلم بأوفر نصيب ، ونار قدحه منه بالسهم المصيب / لا سيما علم العربية ، الذي هو 2ب مفتاح الفهوم ، وسرّ العلوم ، والسبب الموصل إلى علم البيان ، المطّلع على دقائق معاني القرآن ، فقد خصّه الله بالفضل العظيم ، والقلب الرحيم ، حتى شهدت له بذلك الضمائر والقلوب ، واستوجب شكر نعمه في الحضور والغيوب ، وأقرّت بالتقصير أدراك مواراه ، واعترفت أنه لا يصلح لممالك الدنيا ملِك إلاّ إياه ، فأسبغ الله عليه نعمه وفضله ، كما بسط في العباد طوله وعدله ، وجعل بقاءه ما بقي الأبد ، وملك ملكته في النفس والولد .
... القول على ما يروى عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال:
( إنَّ من آمن الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر )