للعبد، فالمراد به قصده ذلك الفعل، وسبيله إليه، ورِضاه به، الذي هو مخلوق لله تعالى أيضا، وأنه لم يفعله على وجه الإكراه والإلجاء.
والحاصل أنّ الله تعالى خلق للعبد قدرة، يميل بها ويفعل، فالخلق من الله تعالى، والميل والفعل من العبد؛ صادر عن تقدير الله تعالى له ذلك، فهما أثر الخَلْق والقدرة، فالاختيار المنسوب للعبد، المُفسَّر بما ذكرناه، أثر الاختيار المنسوب إلى الله تعالى، فافترقا، ولا إنكار في ذلك، ولا معارضة فيه للآية، وبهذا يتميز أهل السنة عن أهل القَدَر والجَبْر معًا، قال الأصبهاني في تفسيره، عند قوله تعالى [وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ] [1] : اعلم أنّ كل فعل صدر من العبد بالاختيار فله اعتباران، إنْ نظرت إلى وجوده وحدوثه، وما هو عليه من وجوه التخصيص، فانسُب ذلك إلى قدرة الله تعالى، وإرادته لا شريك له، وإنْ نظرت إلى تمييزه القسري، فانسُبه من هذه الجهة إلى العبد، وهي النسبة المُعبَّر [عنها] [2] شرعا بالكسب في قوله تعالى: [لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ] [3] ، وقوله تعالى: بما كسبت أيديهم [4] ، وهي المتحققة أيضا إذا فرضت في ذهنك الحركتين الاضطرارية [5] ، كالرعشة، والاختيارية / فإنك تميز بينهما لا محالة بتلك النسبة، فإذا تقدّر تعدد الاعتبار، فمدُه في الطغيان مخلوق لله تعالى، فأضافه إليه، ومن حيث كونه واقعا منهم على وجه الاختيار، المعبر عنه بالكسب أضافه إليهم، انتهى.
وقال في موضع آخر منه: صفة الإرادة للعبد، هي القصد.
فهذا تحرير مذهب أهل السنة، وحاصله أنّ الاختيار المنسوب للعبد هو قصده لذلك الفعل، فتوجهه إليه برضىً منه، وإرادة له، وكونه لم يفعله بالإلجاء والإكراه، ولا قسر، فتأمّل ذلك، وافهمه تُرشَد.
والحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده، سيدنا محمد، ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
(1) البقرة 15
(2) ما بين الحاصرتين زيدة يقتضيها السياق.
(3) البقرة 286
(4) لا توجد آية في القرآن بهذا النص، أما بالمعنى فالآيات بذلك كثيرة.
(5) كتب الاضطرار.