وروى ابن عبد البر، عن وهب بن منبه: الجن أصناف، فخالصهم ريح لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتوالدون، وجنس منهم يفعل ذلك، ومنهم السعالي، والغول، والقطرب.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا إن ثبت، كان جامعا للقولين، ويؤيده ما روى ابن حبان، والحاكم عن أبي ثعلبة الخشني، مرفوعا: الجن على ثلاثة أصناف صنف لهم أجنحة، يطيرون في الهواء، وصنف حيات وعقارب، وصنف يحلّون ويرحلون /ويظعنون. ... 12 ب وروى ابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء مرفوعا نحوه، لكنْ قال في الثالث: وصنف عليهم الحساب والعقاب، انتهى.
وقد ثبت في الصحيح أنهم سَأَلُوا النبي صلى الله عليه وسلم الزَّادَ، فَقَالَ: كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِى يَدِ أَحَدِكُمْ أَوْفَرَ مَا كانَ لَحْمًا وَكُلُّ بَعَرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ [1] . زاد ابن سلام: أنَّ البَعَرَ يعود خضرا لدوابهم، وفي رواية ابن أبي داود: كُلُّ عَظْمٍ لم يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وجمع بأنها في حق شياطينهم، ورواية الصحيح: في حقِّ مؤمنهم، قال السهيلي: وهو صحيح يعضده الأحاديث، قال: وهذا يرد على مَن زعم أنهم لا يأكلون، ولا يشربون، يعني لأن عوده لحما إنما يكون للأكل حقيقة، قال: وتأوَّلوا قوله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ على غير ظاهره، انتهى، أي حملوه على المجاز أي يحبه الشيطان ويزيِّنه ويدعو إليه.
قال ابن عبد البر: وهذا ليس بشيء، ولا معنى لحمل شيء من اكلام على المجاز إذا أمكنت فيه الحقيقة بوجه ما، انتهى.
وقال صاحب آكام المرجان [2] : وبالجملة فالقائلون: الجن لا تأكل، ولا تشرب إنْ أرادوا جميعهم فباطل؛ لمصادمتهم الأحاديث الصحيحة، وإنْ
(1) صحيح مسلم 2/ 36 / م
(2) كتاب آكام المرجان في أحكام الجان لمحمد بن عبد الله الشبلي، وهو جامع لذكر الجن وأخبارهم وما يتعلق بأحكامهم وآثارهم وكان السبب في تصنيفه مذاكرة وقعت في مسألة نكاح الجن وإمكانه ووقوعه.