تمهيد
يترك العلماء في حياة أممهم ملامح مميزة في التراث الفكري والحضاري، ونتاج هؤلاء العلماء، هو محصلة علوم ومعارف كثيرة، استوعبوها وتمثّلوها، ثم تمكّنوا من إعطائها بصورة تدعم المسار الفكري، الذي كان هدفا لنشاط هؤلاء الأعلام، ثم يقع نتائجهم في دائرة البحث عبر العصور المختلفة، فيكون مدعاة للتقويم والتحليل.
وأبو البقاء العكبري واحد من هؤلاء العلماء، غير أنّ حظه كان دون حظ غيره من العلماء، على الرغم من أنه واحد من كبار علماء العربية، في القرن السادس، وأوائل القرن السابع الهجريين، وقد قدّم لتراثنا النحوي رصيدا ضخما، وما عدت عليه عوادي الزمن، لم يحل دون إظهار منزلة بعض كتبه الأخرى، التي ما زالت على منزلة رفيعة من المكانة العلمية، والقيمة الجليلة، التي لا يُمكن لأي باحث أن يتجاهلها، أو يغضّ منها.
وقبل الخوض في تفاصيل حياة أبي البقاء، لا بدّ أنْ نُلِمَّ إلماما سريعا بطبيعة العصر الذي عاش فيه، ولن نطيل في ذكر أحداثه ووقائعه، إلاّ بالقدر الذي يُساعد على فهم العوامل، التي قد تُساعد في تكوين شخصية صاحب السيرة؛ لأنّ بعض الظواهر، التي تكتنف حياة الإنسان، لا تكون مفهومة، ولا واضحة، ما لم تُردّ إلى أسبابها ومسبباتها، ذلك لأنّ شخصية الإنسان مركبة في كثير من أحوالها وأوضاعها، مما هو غالب على العصر من اتجاهات وميول وسياسات، وجريا على العادة، نُريد أنْ نتحدث باختصار شديد عن عصر أبي البقاء، واتجاهات الدراسات النحوية، منذ نشأتها وحتى أيامه.
أ