الصفحة 838 من 1671

حتى كأنه يخبر مساحات الأرض، ذات الطول والعرض، ويجوب أهوية الأقاليم السبع، خارجا بما أدخله فيه اللجاج عن السمع (1) ، فكأنه خليفة الإسكندر، لكن ما يجيش من هموم الغربة بفكري قائمة مقام الجيش والعسكر، جزت إلى بر العدوة من الغرب الأقصى، ثم تشوقت نفسي فطمحت (2) إلى مشاهدة الغرب الأوسط فلاقيت فيما بينهما من المسافة من المشاق ما لا يحصى (3) ، ثم تشوقت إلى إفريقية درب بلاد الشرق، فاستشعرت من هنالك ما بينها وبين بلادي من الفرق، واختطفت من عيني تلك الطلاوة، وانتزعت من قلبي تلك الحلاوة: [بحر الطويل]

فلله عين لم تر العين مثلها ... ولا تلتقي إلا بجنّات رضوان

ثم نازعتني النفس التواقة (4) إلى الديار المصرية، فكابدت في البحر ما لا يفي بوصفه إلا المشاهدة (5) إلى أن أبصرت منار الإسكندرية، فيا لك من استئناف عمر جديد، بعد اليأس من الحياة بما لقينا من الهول والتنكيد، ثم صعدت إلى القاهرة قاعدة الديار المصرية، لمعاينة الهرمين وما فيهما من المعالم الأزلية، وعاينت القاهرة المعزية، وما فيها من الهمم [العلية] (6) الملوكية، غير أني أنكرت مبانيها الواهية (7) ، على ما حوت من أولي الهمم العالية، وكونها حاضرة العسكر الجرار، وكرسيّ الملك العظيم المقدار، وقلت: أصداف فيها جواهر، وشوك محدق بأزاهر، ثم ركبت النيل وعاينت تماسيحه، وجزت بحر جدة وذقت تباريحه (8) ، وقضيت الحج والزيارة، وملت إلى حاضرة الشام دمشق والنفس بالسوء أمّارة، فهنالك بعت الزيارة بالأوزار (9) ، وآلت تلك التجارة إلى ما حكمت به الأقدار، إذ هي كما قال أحد من عاينها: [بحر البسيط]

أما دمشق فجنّات معجّلة ... للطالبين بها الولدان والحور

فلله ما تضمن داخلها من الحور والولدان، وما زين به خارجها من الأنهار والجنان، وبالجملة فإنها حمى تتقاصر عن إدراكها أعناق الفصاحة، وتقصر عن مناولتها في ميدان الأوصاف كل راحة، ولم أزل أسمع عن حلب، أنها دار الكرم والأدب، فأردت أن يحظى

(1) في ب، ه: «عن الشرع» .

(2) في ب، ه: فطمحت نفسي إلى مشاهدة الغرب الأوسط.

(3) في ب: يحصر.

(4) النفس التواقة: المشتاقة.

(5) في ب، ه: «إلا المشافهة» .

(6) ساقطة في ب.

(7) الواهية: المتداعية.

(8) التباريح: الآلام والمشاقّ.

(9) الأوزار: جمع وزر، وهو: الإثم والخطيئة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت