فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 701

عليه وسلم ـ يكلمونه بكلام محتمل ينوون به الشتيمة والاهانة ويظهرون به التوقير والاكرام. ليا بألسنتهم: فتلا بها وتحريفا، أي يفتلون بألسنتهم الحق الى الباطل حيث يضعون «راعنا» موضع «انظرنا» و «غير مسمع» موضع: لا أسمعت مكروها. أو يفتلون بالسنتهم ما يضمرونه من الشتم الى ما يظهرونه من التوقير نفاقا.

فان قلت: كيف جاءوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد ما صرّحوا وقالوا: سمعنا وعصينا؟

قلت: جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان ولا يواجهونه بالسبّ ودعاء السوء. ويجوز أن يقولوه فيما بينهم، ويجوز أن لا ينطقوا بذلك ولكنهم لما لم يؤمنوا جعلوا كأنهم نطقوا به» (1) .

ومنه قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد ذكر عنده سريح بن الحضرمي وهو من الصحابة: «ذاك رجل لا يتوسّد القرآن» فيحتمل وجهين ذكرهما ثعلب عن ابن الأعرابي: أحدهما: المدح وهو انه لا ينام الليل حتى يتوسد القرآن معه فيكون مدحا.

والثاني: الذم وهو انه ينام ولا يتوسده معه أي لا يحفظه فيكون ذما.

ومن أمثلة الابهام قول محمد بن حازم الباهلي في الحسن بن سهل حين تزوج المأمون بابنته بوران:

بارك الله للحسن ... ولبوران في الختن ...

يا ابن هرون قد ظفر ... ت ولكن ببنت من

فلا يعلم ما أراد بـ «بنت من» في الرفعة أو في الحقارة، ولما نمي هذا الشعر الى المأمون قال: «والله ما ندري أخيرا أراد أم شرا؟» .

ومن ذلك قول الشاعر:

ويرغب أن يبني المعالي خالد ... ويرغب أن يرضى صنيع الألائم

فان هذا يحتمل المدح والذم لانه إن قدّر «في» أولا و «عن» ثانيا فمدح وإن عكس فذم إذ يقال: رغب فيه ورغب عنه.

ومنه قول المتنبي في مدح كافور:

ويغنيك عما ينسب الناس أنه ... اليك تناهى المكرمات وتنسب

فقد يريد به المدح، أو السخرية أي: انه لا نسب لكافور.

وقوله:

وما طربي لما رأيتك بدعة ... لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب

فقد يحتمل السخرية والاستهزاء، أو المدح.

وقوله:

وغير كثير أن يزورك راجل ... فيرجع ملكا للعراقيين واليا

فظاهر البيت أنّ من رأى كافورا أفاد منه كسب المعالي، وباطنه أنّ من رآه على ما به من النقص وقد صار الى الملك ضاق صدره أن يقصر عما بلغه وأن لا يتجاوز ذلك الى كسب المكارم، وكذلك إذا رآه راجل لا يستكثر لنفسه أن يرجع واليا على العراقين.

والابهام فن بديع متسع الباب، والأديب البارع يقدر أن ينزع فيه مذاهب مختلفة، ويفتح أبوابا موصدة.

الاتّساع:

قال ابن رشيق: «هو أن يقول الشاعر بيتا يتسع فيه التأويل فيأتي كل واحد بمعنى وانما يقع ذلك لاحتمال اللفظ وقوته واتساع المعنى» (2) .

وقال المصري: «هو أن يأتي الشاعر ببيت يتسع فيه

(1) الكشاف ج 1 ص 400.

(2) العمدة ج 2 ص 93، وينظر المنزع البديع ص 429.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت