مع أن الذي أودعته فيها بالنسبة إلى ما ادّخرته عنها كشذرة من عقد نحر، بل كقطرة من قطرات بحر، وها أنا بائح بما أسررته، مفيد لما قرّرته وحرّرته،
وعاملها، وأن وصلتها في محل رفع على أنه مبتدأ وخبره الظرف السابق، أي: ومما حثني على وضع هذا التصنيف حسن موقع مقدمتي عند العقلاء حين أنشأتها.
(مع أن الذي أودعته فيها بالنسبة إلى ما ادخرته عنها كشذرة من عقد نحر، بل كقطرة من قطرات بحر) مع تتعلق إما بحسن، أو بسار على طريق التنازع، وأودع يتعدى بنفسه إلى مفعولين تقول: أودعت زيدا مالا؛ لكن المصنف ضمنه معنى وضع فعداه إلى الثاني بفي، وبالنسبة ظرف مستقر في محل نصب على الحال من ضمير النصب في أودعته، أي: أودعته فيها ملتبسا بالنسبة، وادخرت افتعلت من الذخر بالمعجمة فقلبت تاء الافتعال دالا، وأدغمت الفاء التي هي ذال معجمة فيها بعد إبدالها مهملة، كما في ادكر على الوجه القوي.
والشذرة بشين وذال معجمتين: قال الجوهري: الشذر من الذهب ما يلتقط من المعدن من غير إذابة الحجارة، والقطعة منه شذرة.
وقال أيضا: والشذر صغار اللؤلؤ، وكأن هذا الأخير هو مراد المصنف، والعقد بكسر العين: القلادة، والنحر موضعها من الصدر والقطرة الواحدة من الماء، أو غيره من المائع من كل ما يتقاطر شيئا فشيئا، والقطرات الجمع بفتح الطاء.
والبحر خلاف البر قال الجوهري: يقال سمي بذلك لعمقه واتساعه، قلت: ولا يظهر للإتيان بقطرات هنا معنى، بل المقام يقتضي عدم ذكرها، وذلك؛ لأن المراد التدريج في تقليل ما وضعه في المقدمة بالقياس إلى ما لم يضعه فيها، ولا شك أن القطرة بالنظر إلى كونها من جملة البحر أقل منها بالنظر إلى قطرات من البحر، وفي هاتين السجعتين الجناس المضارع.
(وها أنا بائح بما أسررته) بائح اسم فاعل من باح يبوح، يقال باح بسره إذا أظهره، والمراد بما أسره هو ما ادخره عن تلك المقدمة، ووقع للمصنف نظير هذا التركيب في موضعين آخرين من الباب الخامس، فقال: في الجهة الأولى وها أنا مورد بعون الله تعالى أمثلة، وقال في الجهة الثانية: وها أنا مورد لك أمثلة من ذلك، وفي هذه المواضع الثلاثة إدخال هاء التنبيه على ضمير الرفع المنفصل مع أن خبره ليس اسم إشارة، والمصنف يأباه كما سيأتي إن شاء الله تعالى في حرف الهاء من هذا الكتاب.
(مفيد لما قررته وحررته) التقرير تثبيت الشيء في مقره، والتحرير التهذيب، وأخذ الخلاصة وإظهارها بمنزلة جعل الشيء جزءا خالصا، وفي قررته وحررته الجناس اللاحق، وفي